جديد العلاقة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية هو قديمها. هذه العلاقة تتحدد بأنها علاقة مصالح. لكنها ليست مصالح دول ونقطة. انما مصالح ذات استراتيجية واحدة متطابقة ومتفق عليها. وهذا هو الفارق!
في حالتنا، تظهر هذه العلاقة، الآن، عند البعض، وكأن لها طابعًا ذاتيًا، بل شخصيًا، لأنها معلقة بتوتير العلاقة بين الشخصين: بنيامين نتياهو وأوباما (!). قد يكون الخلاف على شكل "التحدي" الذي أبداه نتنياهو لإدارة أوباما في المرحلة الأولى، وبالذات في اعقاب الخطاب الحربجي قبل شهر تقريبًا، خلال زيارة نتنياهو الأخيرة الى واشنطن. وقد يكون على شكل تركيبة الحكومة المستقبلية التي تريدها ادارة أوباما: مع ليبرمان ويسرائيل بيتينو، او مع تسيبي ليفني وكاديما. وقد تكون على تجميد شكلي للاستيطان بإضافة كلمة "جديد" على "الاستيطان". وهكذا يبقى القديم قديمًا وهو بحاجة الى سنة، على أقل تقدير، لإنهائه. من جهتهم، الفلسطينيون، بحسب التوجه الأمريكي، انتزعوا مكسب "تجميد الجديد"، ومن جهتها اسرائيل ليست بحاجة الى انتاج التوتير على شكل الاعلان، ما دامت الجرافات تحدد شكل الاستيطان في فترة أقصاها أربعة أشهر لا تكفي حتى لإعداد خارطة هندسية لحي استيطاني جديد في القدس.
أكثر ما يخيف الآن هو هذا "الإرتياح" من "الضغط الأمريكي على اسرائيل". لم يعد محور الانتباه الى الجوهر، بل الى الشكل الذي يتمظهر فيه "التوتير" في حقل الوعي ولعبة الإرادات. فالضغط - هكذا يبدو – هو باتجاه واحد في كل تعبيراته المتعددة. وما هذه التعبيرات سوى تجسيدات "للموقف الأمريكي الجديد" الذي به تكون صورة اسرائيل التي يريدها العربي والفلسطيني: اسرائيل "المضغوطة".
لهذه الصورة منطق آخر. جاء في كبريات الصحف الأمريكية ان الرئيس أوباما ينوي التخلي عن "مسار ميتشل" التفاوضي و"اللجوء الى مسار الصدمة عبر فرض حل سياسي على الاسرائيليين والفلسطينيين". والحديث يجري عن الخريف القادم. والتوقيت ليس صدفة. فهو يتزامن مع الشأن الإيراني. ففصل الخريف هو الموعد الذي تم تحديده لحل الأزمة النووية مع إيران بالطرق السلمية.
للحديث وجهان: واحد لإرضاء ما يسمى بـ "المعتدلين" في العالم العربي. والثاني عينه على "إيران النووية". والأرجح ان "جديد" السياسة الأمريكية هو إعادة انتاج "التيار المعتدل" في العالم العربي لتقويض "محور الشر"، وربما، أيضًا، تحضيرًا لتوجيه ضربة عسكرية الى إيران، وبالتالي فان إدارة أوباما لا تستطيع اعطاء تأشيرة دخول اسرائيل الى الضربة العسكرية بدون إظهار أي "تقدم" في العملية التفاوضية.
هذا سيناريو ممكن. به ينتفي "جديد" ادارة أوباما. فقد نقلت صحيفة "واشنطن بوست" (الجمعة 9 نيسان 2010)، على لسان مسؤول أمريكي رفيع، ما يلي: "الولايات المتحدة لا تنوي السماح للمسألة الفلسطينية بمواصلة الالتهاب وتوفير الذخيرة لإيران ولقوى متطرفة اخرى". ليس ضرورة انهاء الاحتلال، وليس الظلم التاريخي اللاحق بالفلسطينيين، وليس جرائم الاحتلال، هو السبب، انما "توفير الذخيرة لإيران".
إذن، العين على إيران. من هنا جاء أيضا ان الخطة الأمريكية "تأخذ بالحسبان المطالب المطلقة لأمن اسرائيل..". وجاء أيضًا: "..ان الحل سيأخذ بالحسبان السيادة الفلسطينية بشكل منطقي".
بين "المطلق" و"المنطقي" مساحة كبيرة تتيح معاودة ممارسة الضغوط على الجانب الفلسطيني. عندها تختفي العلاقة بين اسرائيل وأمريكا، في شكلها المتوتر الحالي، وتعود إرادة إدارة الصراع الى الأيدي الاسرائيلية، بشكلها المطلق، ارتباطًا بالتمهيد الذي حصل: سحب المسألة الفلسطينية كورقة بأيدي إيران باعتبارها ذخيرة للتعبئة الشعبية، وانهاء مسألة "الخطر النووي" الإيراني، وبالمقابل إيجاد "صيغة حل" أعلنت واشنطن انها ستفرضه على الفلسطيني أيضًا، بفعل الضغط (وهو الضغط ذاته الذي مورس على اسرائيل سابقًا!)، يكون قوامه مبادرة كلينتون التي رفضها الرئيس ياسر عرفات في كامب ديفيد، أي، بمعنى، انتاج القديم بقالب جديد، والعودة الى سيناريوالفيلم ذاته، مع تغييرات في الأبطال.
هذا ما يسمى، في السياسة، اعادة ترتيب الأوراق!.
