*في ذكرى الأربعين لرحيل الطبيب العبلّينيّ، الصديق جبّور خوري، في الحادي والعشرين من حزيران الماضي، اجتمعنا في حفل تأبينيّ مَهيب عملنا جاهدين في سبيل أن يكون لائقًا بمن رحل وبمن حضر. من كلمات العرافة التي أُنيطتْ بي كانت الفقرات التالية*
أيّها الأعزّاء، حضوركم عزاء. مجيئكم وفاء.
قبل أن نبدأ احتفاءنا بذكرى العزيز جبّور، نقف جميعًا دقيقة صمت، لن نعتبرها دقيقة حِداد، بل دعونا نعتبرها دقيقة وفاء وتأمّل، متّحدين مع روحه الطاهرة التي أتمثّلها الآن ترفرف حولنا كطيور النور...
* * * * *
أنتم معنا، إذًا جبّور معنا.
تشاء المصادفات أن نلتقي اليوم في الحادي والعشرين من حزيران، في أطول نهار في السنة، وفي البال ذكرى رحيل فنّان عظيم أحبّه جبّور حبًّا جمًّا، هو صاحب كلمات الأغنية التي افتُتِح بها الفيلم القصير الذي أعدّه جريس ووسام وسهيل، "ليالي الشمال الحزينة"، الأغنية التي أحبّها جبّور وتحدّث معنا عنها كثيرًا، الأغنية التي لحّنها صاحب الكلمات نفسه، عاصي الرحباني. لحّنها في فترة مَرَضيّة عصيبة، يقال إنّه نسي خلالها الأسماء والوجوه والأشياء (أو خَلَطَ في ما بينها) إلاّ النوتة الموسيقيّة. لم ينسَ الموسيقا -عشْقَه الراسخ.
* * * * *
يخيّل إليّ أحيانًا، يا جبّور، أنّك لم تعرف على نحوٍ تامٍّ كم نحبّك! لو عرفتَ، لحرصتَ. لو عرفتَ مسبقًا، لحرصتَ على نفسك أكثر. لو حرصتَ على ذاتك كما حرصتَ على مصالح الآخرين وعلى صحّتهم، لتغيّرت أمور كثيرة.
حتّى الآن لا أستوعب كيف استطاع هذا الرجُل الرجُل، قبل أقلّ من عام، أن يتكتّم بشأن إصابته بالمرض الخطير عن أقرب مقرَّبيه طَوال أسابيع! لا أستوعب كيف تمكّن من تجرُّع الألم وحيدًا، رغم كثرة الأصدقاء والمحبّين ممّن هم أكثر من مجرّد أُذن مصغية، ممّن هم على استعداد لبذل الروح من أجل جبّور! أقول إنّي لا أستوعب، لكنّي في الحقيقة أعرف. تفسير ذلك أوردتُه قبل دقيقة. إنّه رجُلٌ رجُلٌ. إنّه رجُل من معدن شديد الندرة. وتفسير ذلك أيضًا أنّ الطبيب، جبّور، لم يتمكّن من الخروج من جلده بسهولة. فالطبيب إنسان. والطبيب الطبيب، مهما خَبُرَ واعتاد معاينة الأوجاع، لا يتبلّد. وجبّور طبيب حتّى في مرضه. ما أراد أن يسبِّب لمن حوْله وجعًا، فكتمَ الآهةَ في معظم لحظات الألم. لم يُسمِع تأوّهاته إلاّ في الفترة الأخيرة حين أخذ منه المرضُ كلَّ مأخذ، إذ صار الوجع عصيًّا على الإخفاء والكتمان.
* * * * *
مع الكِتاب وجبّور لنا حكاية وَلّدت حكايات... الكتاب هو الذي جمعَنا به (ونِعْمَ الجامعُ الكتابُ!). قبل نحو عشرين عامًا، ترافقنا بضع مرّات إلى معارض الكتب، وإذا بنا بعد مدّة نصبح صديقَيْن. الصداقة التي يشيّدها خيرُ الجلساء لا يمكن لها يومًا أن تُهدَّم، بل لا يمكن لها أن تُخدش. ما يجمعه الكتاب لا يفرّقه غراب، ولا سراب، ولا نأي، ولا رحيل.
بفضل جبّور قرأتُ عشرات من الكتب، عشرات غير قليلة. في حالات غير قليلة يلتبس الأمر عليّ فلا أتمكّن من تذكُّر ما إذا كان هو من دفعني إلى قراءة الكتاب الفلانيّ، أم العكس هو الصحيح! بفضله تعرّفتُ على كتب وأدباء وموسيقيّين رائعين. بفضله اهتممت واطّلعت على واسيني الأعرج، وعمر فاروق، وروبين شارما، والقائمة طويلة... كان من مُتَعِه الفائقة أن يعير أحدًا أو يُهديه كتابًا أو قرصًا مُدْمَجًا. وكم من كتاب أعاره فلم يَعُد المُعار، وأنكرَ المستعير! ورغم ذلك، لم يتمكّن من منع نفسه عن مثل هذا الفعل التثقيفيّ التنويريّ -الإعارة!
كان يمتلئ غبطةً وإشراقًا كلّما أخبرتُه عن طالب في المدرسة (أو طالبة -في الغالب!) يطالع أو يكتب بمستوى معجِب. كان كلّما تعرّف على قارئ، قال ما مُفادُه: ها قد تقلَّصَ منسوب اغترابي.
ومن حكاياتنا المهمّة مع الكتاب أنّ نادي المحبّة العبلّينيّ تأسّس بفضل الكتاب. بفضل عشق البعض للكتاب، فقد بدأ نادينا نشاطه الأوّليّ عبْر لقاءات بيتيّة تناولنا كلّ مرّة في معظمها عملاً أدبيًّا. وحين أصرّ جبّور عام 1993 على أن يقيم النادي الفتيُّ معرض كتب في البلدة، لم أتحمّس أنا شخصيًّا للفكرة. كان عذري غير المقبول أنّ تجربة مَعارض الكتب في عبلّين غير مشجّعة، بل محكومة سلفًا بالإخفاق! من حسن الحظّ أنّ جبّور لم يقتنع بتردُّداتنا وتخوُّفاتنا، فظلّ على موقفه وإصراره، فأقام النادي معرضًا غير تجاريّ حصد نجاحًا مدوّيًا آنذاك، في كانون الأوّل عام 1993، لا زلنا كلّما استذكرناه نحسّ بالانتشاء الغامر. وأهمّ ما في الأمر أنّ نجاح ذلك المعرض جعلَنا نُعاود التجربة طيلة سنوات، وأنّه دفع بنادي المحبّة إلى القيام بأنشطة وفعّاليّات ثقافيّة واجتماعيّة أخرى عديدة، لقيت صدًى طيّبًا.
* * * * *
تشابهت أذواقنا واهتماماتنا في أمور كثيرة، وفي بعض المواقف والآراء ووجهات النظر وبعض المسلكيّات اختلفنا، وما كان أجمل اختلافاتنا!
كان كلّ منّا يؤثّر في الآخر دون أن يشعر، ودون أن يقصد، ودون أن يدرك مدى هذا التأثير وعمقَه. ومن المفارقات اللطيفة في هذا الصدد أنّه، في أكثر من موسم من مواسم الانتخابات، كانت وجهة نظر كلّ منّا مختلفة عن وجهة الآخر، ولكنّ الوجهتين لم تكونا على طرفَيْ نقيض. كنت أعبّر عن رأيي باختصار شديد، وكان جبّور يعبّر عن رأيه باختصار أشدّ. كنّا نتحدّث في هذا الشأن بضع دقائق، ثمّ ننتقل إلى الحديث عن مواضيع أخرى أشهى وأجمل. بعد إجراء الانتخابات، كان يتبيّن لي أنّ كلاًّ منّا قد تصرّف متبنّيًا موقف الآخر!
كاتّفاقاتنا كانت اختلافاتُنا. كنّا نختلف وتبقى النتيجة واحدة. ربّما باختلافنا تكاملنا. ما أظرفَ وأنظف وألطف اختلاف الأصدقاء!
* * * * *
من لطائف ما سمعتُ وأسمعتُ أنّ أحد علماء الأنثروبولوجيا الغربيّين عاش مدّة مع إحدى القبائل في غابات أمريكا الجنوبيّة (على ما أظنّ)، ضمن إطار أبحاثه في مجاله (علم الإنسان)، وبحثَ -في ما بحث- لغتهم وخصائصها. وفي إحدى المراحل الأولى من مراحل بحثه في لغتهم، لفت انتباهَه واستغرابه أنّ لغة أبناء تلك القبيلة لا تتضمّن كلمة "صديق"، فخامره ظنٌّ اتّهاميٌّ استعلائيّ ملخَّصُه أنّ هؤلاء قوم بدائيّون متخلّفون لا يعرفون الصداقة نفسها ولا يمارسونها. لكن في ما بعد، اعتراه خجل عظيم حين تكشّف له أنّ هؤلاء "البدائيّين المتخلّفين" لا يعبّرون عن الصديق باسْمٍ مفرد واحد في لغتهم (كما في اللغات التي نعرفها)، بل يعبّرون عنه بتعبير مكوّن من بضع كلمات، وترجمة هذه الكلمات إلى العربيّة: "الشخص الذي يحمل همومي على كتفيه"! (تخلُّف...؟! ونِعْمَ التخلّف!).
وجبّور كان يحمل الكثير الكثير من هموم الآخرين، على كتفيه وفي قلبه الكبير... قلبه الذي وسعَ الإنسانَ والمكان، وسعَ البشر والوطن... قلبه الذي احتضن مرضاه المحبّين... قلبه الذي احتمل الألم، وافترش الأمل. ولذا، كان له أصدقاء كُثر. كَثُرَ أصدقاؤه لأنّه هو نفسه كان صديقًا حقيقيًّا يدرك معنى الصداقة ويترجمها إلى سلوك نبيل. العشرات ممّن أَثْرَوْا حياتي وأمتعوها عرفتهم بفضل العزيز جبّور. ولا زلت حتّى الآن أحظى بفضله بالتعرّف على أناس رائعين. بفضله عرفت أناسًا ملأوا حياتي حياةً. كانوا أصدقاء له، فصاروا كذلك أصدقاء لي ولغيري.
كم أَثْرَيتَ، وكم أثَّرتَ!
كم أَثْرَيتَ مَن حولك، وكم أثَّرت في مَن حولك! أثّرت فيهم بكلامك، بثقافتك، بتعاملك، بجولاتك التصويريّة المخلدة، فأدركوا معك أنّ هذي البلاد وطنٌ... وطنٌ لا مجرّد دولة أو مكان عَرَضيّ نعيش فيه.
* * * * *
أيّها الأعزّاء. قبل الختام، نعود إلى خاتمة إحدى أَحَبّ أغاني السيّدة فيروز على قلب جبّور، الأغنية التي كتبها سعيد عقل ولحّنها الرحبانيّان الجميلان: ..."علّمتني حلوة الحلوين: ان فلّيت إترُك عطر بهالكون".
تلك من أكثر الأغنيات التي يفسّر إعجابُ جبّور بها سببَ عشْقه لكلّ ما هو إنسانيّ ونيّر ونبيل، ويفسّر دوافعَ سعيه في دروب الخير والبرّ. هذا الرجل المهمّ والمفيد، جبّور، تَعلَّمَ وعلَّمَنا تعلُّمُه درسًا لا يُنسى: أن نترك بعد رحيلنا عطرًا لا يفنى، عبر أعمال لا تُنسى. وها نحن قد التقينا اليوم بجبّور عَبْر عطره النفّاذ، وسنلتقيه كلّما التقينا وما دمنا قادرين على اللقاء وعلى الحياة.
يا جبّور، أتعرفُ الفرق بين ما كان وما هو كائن وسيكون؟! الفرق أنّك كنت معنا، والآن صرت فينا.
تباركت الحياة بكم، أيّها الأحبّاء... ودمتم محبّين محبوبين.
(عـبـلـّـيـن)
