لقد بدأت المفاوضات في واشنطن قبل اكثر من اسبوعين وها هي قد استؤنفت في المنطقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بعد انقضاء عطلة العيد.
وكثيرًا ما كتب انها مفاوضات عبثية، وقد يكون هذا صحيحا حيث إن إسرائيل لم توافق على المطلب الفلسطيني وهو وقف الاستيطان الزاحف ولا مفاوضات على حدود الـ67. وهذا الأمر اثار الكثير من الشك حيث لا توجد نية صافية للسلام الحقيقي لدى اسرائيل فهي لا تريد التنازل عن القدس الشرقية العربية، ولا توافق على حق العودة، ولا على أي شيء سوى ان تكون الدولة الفلسطينية مجردة وشبيهة بسلطة محلية كبيرة ومنزوعة السلاح وحتى ربما مجرد كانتونات.
ورجل الشارع اليهودي البسيط لا يؤمن بان هذه المفاوضات ستثمر وتقود لقيام دولة قابلة للعيش، وهذا أيضًا صحيح رغم ان طرفي المفاوضات لا يتوخيان حصول نقطة تحول ايجابية ولكن يبدو ان مصلحة كل منهما ان يلبي طلب الولايات المتحدة، فالسلطة الفلسطينية تخاف من قطع المعونات الأمريكية والأوروبية وان حصل هذا فمعناه نهاية السلطة، لأنها بهذه الحالة لا يمكن لها دفع معاشات موظفيها ولا مصاريفها. فالدول العربية المانحة لم تفِ بوعودها المالية ولو فعلت لما اضطرت عندها السلطة الفلسطينية إلى الذهاب للمفاوضات لأنها تعلم انها عبثية مسبقا.
من الناحية الإسرائيلية فهناك مصلحة كبيرة، فالمفاوضات تخفف من العزلة الإسرائيلية العالمية التي بدأت براعمها بالظهور، فأوروبا قررت عدم التجارة والمعاملة مع بضاعة المستوطنات ولا مع الأمور التعليمية والجامعية وتقديم مِنَح الدراسة الجامعية لأبناء المستوطنات، كما هناك خوف يهز أوصال الموظفين الإسرائيليين الكبار وذلك بأنهم ان خرجوا من إسرائيل لدول أخرى ربما ينتظرهم هناك أمر اعتقال، وكاد يحصل هذا للبعض فقد رجعوا بالطائرات التي أقلتهم ولم تطأ أقدامهم على ارض الدولة المزمع زيارتها.
بالإضافة الى ذلك، ان المفاوضات ربما ولا اجزم بذلك، تُعيق الجَدل الدائر في الجامعات الأوروبية على مدى شرعية وجود إسرائيل، فالمفاوضات تعطي نفَسا لإسرائيل لترتيب أمورها المعطوبة عالميا على الأقل لفترة المفاوضات والتي هي 9 أشهر وبعد ذلك سيدّعون ان السلطة الفلسطينية هي التي أفشلت المفاوضات وهذا يعطي إسرائيل وقتا ونفسا إضافيين.
أوباما رئيس الولايات المتحدة سيدعي بدوره، انه أجلس الأطراف على مائدة المفاوضات ولم يستطع التدخل في شؤونهم وإجبارهم على توقيع معاهدة سلام وهذا يخفف عنه الضغوط العربية والأجنبية التي ترغب بحل المشكلة الفلسطينية.
والسلطة الفلسطينية ستدعي انها كسبت بعض الشيء من المفاوضات وذلك بتحرير 104 اسرى فلسطينيين وإسرائيل ستقول انها تنازلت عن "أمور مؤلمة" مثل تحرير بعض السجناء كما انها سترضي الولايات المتحدة بأنها أصغت لها وذهبت للمفاوضات، وانها لم تجد من قبل السلطة الفلسطينية نية حقيقية وجدية للوصول للسلام، وهكذا دواليك، كل من الأطراف سيدّعي ما يشاء، فعليه، لكل منهم مصلحة في المفاوضات.
زد على كل تلك الأمور، فالوقت مناسب جدا لإسرائيل للتفاوض حيث إن الدول العربية مشغولة بثوراتها الداخلية ولا يمكن لها ان تكون أداة ضغط جدية ومفيدة على الولايات المتحدة الراعي للسلام، والتي هي أصلا تنفذ ما يمليه عليها نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل بسبب اللوبي الصهيوني القوي جدًا في الولايات المتحدة.
والسؤال المطروح والحالة هذه ما البديل لتلك المفاوضات؟
برأينا لا يوجد الآن عصًا سحرية، ولا بديل، وذلك بسبب ضعف الدول العربية، وعدم توازن القوى بين أطراف المفاوضات. فكل انتفاضة شعبية أو زخم جماهيري فلسطيني سيُقمع عسكريا من قبل إسرائيل وحتى بالتعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية وغير ذلك، معناه سقوط السلطة الفلسطينية بأيد إسرائيلية وأمريكية، كما ان هذه السلطة أصلا غير شرعية، حيث انتهت مدة انتخابها من قبل الشعب الفلسطيني منذ سنين طويلة، ولا يوجد ضوء أخضر في آخر النفق للوحدة الفلسطينية المنشودة فمن المسؤول عن ذلك، لا ندري فكلٌ له أعذاره ومصالحه أما المصلحة الفلسطينية العامة فهي في خبر كان، منذ الانفصال وإقامة الإمارة الإسلامية في غزة، على كل حال ومهما كان الامر فلا يستطيع أي طرف أن يجرؤ على إبرام السلام بدون الرجوع لشعبه صاحب السلطة والكلمة الأخيرة، وتبقى المفاوضات الحالية تخدم الأطراف، هذه المفاوضات عبثية وطبعا وحتما ستفشل، فهي مفاوضات لمجرد الإعلام، وليست جوهرية تفي بأي مصلحة عامة فلسطينية.
برأينا يبقى النضال سياسيا من قبل الفلسطينيين ويقترح التركيز على الناحية الخُلقية حيث ان الغرب هو المسؤول الأول عن معاناة الفلسطينيين وعدم إقامة دولتهم إلى جانب إسرائيل ويمكن إضافة عنصر العدالة الإنسانية وعدم الاكتفاء بدولة مراقبة، وإنما العمل على الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل هيئة الأمم المتحدة رغم الفيتو الأمريكي المتوقع الآن، وذلك له أبعاد سياسية كبيرة، كذلك فالحل للمشكلة الفلسطينية ليس عند الفلسطينيين وحدهم إنما عند كل الدول العربية، وربما وأكاد لا اجزم بذلك ان جمهورية مصر العربية وهي كبرى الدول العربية ستصبح ديمقراطية، وهناك احتمال ان تسير على الطريقة الناصرية، وعندها سيكون لهذه الدولة الوزن والثقل والتأثير في المنطقة وحتى على الولايات المتحدة التي بيدها الحل نحو إقامة الدولة الفلسطينية الى جانب إسرائيل. وبدون دولة مصرية قوية وقومية سيستمر الزحف الاستيطاني وعندها يتعثر قيام الدولة الفلسطينية، وهنا يكمن خطر طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، وما سيلي ذلك من مآس وطالما ان الحالة تبقى على ما هي عليه فيجب على الفلسطينيين الوحدة، وتكثيف العمل السياسي في أروقة الأمم المتحدة وعند بلاط كل دول العالم. وننهي القول، على أمل ان هذه المفاوضات الحالية قد تخدم كل دول الأطراف.
(أم الفحم)
