أن تصرخ في قلب قرية فلسطينية "باروخ غولدشطاين قديس"!

single

قرية عورتا الفلسطينية



دُعينا في  يوم صيفي لنؤمن دخول مستوطنين إلى قبر إيتمار هكوهين في قرية عورتا، أغلقنا الشوارع، أقفلنا المحلات التجاريّة، وأبعدنا السكان كي يصل  المستوطنون، ويتمنون  إبادة  نسل إسماعيل. 
خدمت أيّاما وليالي عديدة في الأراضي الفلسطينيّة، وأعتقد أن نصيبي لم يختلف بماهيّته عن خدمة معظم الجنود المقاتلين من جيلي.
وأنا أيضا تجوّلت  مسلّحا في الشوارع، وسافرت في الطرقات الملتوية طولا وعرضا، واقتحمت في أنصاف الليالي  بيوتا  صادفتني، وشاهدت الخوف في عيون أصحابها، وطاردت أطفالا محليين  يهربون  كأشباح الموتى  في الأزقّة، وبديهي أنني  قدّمت الكثير  لحماية الوطن، بإزالة الأعلام الفلسطينيّة عن أعمدة التليفون أو الكهرباء، ورأيت بأمِّ عيني أطفالا يبكون تحت وابل صفعات  ضابط حسن التّصرّف، وسمعت بأُذُنيّ ولولة  أُمّ لم تستوعب  معنى الأهميّة الأمنيّة  لمنع تجوّل يُفْرض على المخيّم خلال  حرب الخليج، فتلِحُّ  بالتضرّع لنسمح لها أن تأخذ ابنها  المريض إلى الطبيب. 
رأيت معْتَقَلين مقيّدين، يركعون الليل كله، يبلعون عذابهم  بصمت  كي لا يضربهم  حُرّاسُهم ، تمعّنت بمزيج من الشفقة والانفعال  في مظاهر الألم البادية على أُمٍّ  خائفة، تجلس على الأرض لتنعف التراب على رأسها وهم يقودون ابنها ابن الاثني عشر عاما إلى سيارة الشرطة، بتُهمة لم يرتكبها. وأمضيت ساعات من الملل  القاتل، في حراسة فيلات  معزولة  في مستوطنات  يهوديّة تشمخ بعجرفة، ومن خلال معزوفات الحبّ لدعم سكانها، استطاعت أذاني  أن تُميّز  بين تنافر الكراهيّة  والانقطاع  الغريب.
كثيرة هي الأحداث، وكثيرة هي الانطباعات المشرّعة والمُتْعبة، يطفو بعضها المرة تلو الأخرى، ويحدث أحيانا أن تطفو ذكرى معيّنة، فتعكِّر مزاجي بشكل مستفز، عندما تتجسِّد لضميري المحرج ماهيّة الفظاعة التي أشترك بها.
حدث هذا خلال الخدمة الاحتياطيّة، في منتصف التسعينات، عندما كانت  اتفاقات أوسلو في عِزِّها، وأوحت بإحساس عام، رغم الأحداث الدامية، والمظاهرات، أن عجلة الحل  تدور، وأن النزاع يشرف على نهايته، ولا رادّ له، وقد اختلطت روتينية الاحتلال بنوع من الهدوء الكسول، وبالنسبة لي – شاب بشَعْرٍ طويل، عائد من رحلة طويلة في الهند – فيها البركة،   اضطررت إلى اجتياز كل فنون السخافات والغُصّة التي  تخلفها الأُطُر العسكريّة (بما في ذلك التدريب والتحضير الطويل من قبل قائد المنطقة الذي يكثر من استعمال  كلمة  "عربوش"  لإثبات قدرته على الاسْتِهْزاء)، أيام الصيف كانت ممتعة، والشمس ألقتْ على الأرض جمالا شاعريا، ولحُسْن حظي، لم تتضمن مهامي مواجهات مع السكّان.


*الأطفال "والعوزي"!*


 في صباح أحد الأيام أخبرنا القائد أنه علينا  التوجّه إلى قرية عورتا، حيثُ يقع عند مدخلها (حسب التقاليد المطلوبة) قبر إيتمار هكوهين، لنؤمِّن المستوطنين القادمين  لأداء الصلاة  السنويّة، وصلنا بقافلة سيارات، وفورا تفرّقنا إلى مواقع متفرقة في أنحاء القرية المستيقظة، إُغْلِقتْ ساحة القبر، وأُغْلق الشارع المؤدي إليها، وأُمِر التجار بإغلاق محلاتهم.
أُوْقِفَ بعضُنا  على السّطوح، وتجوّل آخرون بمسارات معينة،  بينما أُمِر الباقون بحراسة ساحة القبر من الجمهور المحليّ الآخذ بالتجمُّع، والذي كان  يتطلّع إلينا باندهاش وعجز، وبشيء من حب استطلاع خجول أمام ما يحدث، بعض الأولاد استهزؤوا بنا، وبعضهم اخترق طوق الحماية، وهربوا من بين أيدي الجنود ذوي الأحذية الثقيلة، فنهروهم بخليط من عبريّة عسكريّة وعربيّة ساخرة، هبت  نسمات خفيفة، فبعثت نوعا من الإنعاش على المنطقة المترقِّبة  بتوتر لما سيحدث عند وصول أبطال الحَدَثِ.
وحين وصلوا بعد برهة قصيرة، متراصّين بسيارتي ترانزيت، وقفتا أمامنا  بصرير احتكاك دراماتيكي، انطلقوا من السيارتين  بخوف، وهم يعتمرون  قبّعات دينية، مسلّحين ببنادق عوزي،  لعبت الريح بدقونهم  فشوّشتها، على وجوههم  معالم خوف عنيف، وتعالٍ هَلِع، تحرّكت أمواج الغضب المكبوت  بين الجمهور المتفرّج، لم يحاول أحد اختراق طوق الجنود، باستثناء الأولاد الساخرين، الذين أعجبتهم مظاهر التوتّر البادية على الزوّار غير المرغوب فيهم، حتى أن أحد الزوّار نهرني مباشرة لضعفنا الذي لا يُطاق. 
نزلوا إلى الباحة ووقفوا أمام القبر المقدّس، ومع امتداد وقت الصلاة خفّ التوتّر، وانصرف بعض المحليين وانشغل الأولاد الصغار بأمور أخرى، وتراخى الطوق الأمني، وتفرّق الجنود بعد أن فقدوا الحاجة إليهم.


*"لا نختار مهماتنا"*


انتهزت فرصة وتسللت إلى غابة صغيرة تُحاذي الباحة، لأرتاح  تحت  سنديانة جميلة، ولأدخِن سيجارة، كان هناك  بعض أفراد الفرقة، يجلسون بشكل دائري يثرثرون وينكِّتون، منصهرين بهدوء خدمتهم الاحتياطية الثقيلة والتي اخترقت بصراخ  انطلق من جهة قبر إيتمار هكوهين، "باروخ غولدشطاين قِدِّيس".
"باروخ غولدشطاين قِدِّيس"انطلق صوت مبحوح: "باروخ غولدشطاين قِدِّيس" ردد بعده أصحابه كالمشحونين، وتحوّل الضجيج  إلى جوقة  ترتِّل بإيقاع مضبوط،  كهتافات مشجّعي كرة القدم  الذين أسْكَرَهُم  الفوز.
بهتت الابتسامات العقيمة استغرابا، لم يتحرّك أحدٌ مِن مكانه، كأنّ العالم توقّف عن الحركة أمام جوقة مرحة، أنغامها متنوعة تردد وتتمنى إبادة نسل إسماعيل بعد دقائق ذهبت إلى الباحة ليطالعني مشهد سوقيّ، ومع أن جمهور  المتفرّجين من الجنود ومن الفلسطينيين كان قليلا، إلاّ أن صداه  كان كأنه يهزّ أركان البلاد كلِّها. 
ثم انصرف المستوطنون كما جاؤوا، بنفس خوف الغازين وعجلتهم، كمن ينضح  عالمه بالسُّمّ والعداء، وعاد الجنود إلى مركباتهم في الوقت الذي عادت القرية إلى  طبيعتها.
وأنا أقود سيّارة الجيب في  طريق الهبوط، توجهت إلى القائد وأعربت عن استنكاري مما فعلناه، كان صوتي مخنوقا، ونفسي مُقَيّدة بالعلاقات بين الرتب "نحن لا نختار مهماتنا" أجابني بلهجة عسكريّة جافة، يداري إحراجه الواضح، في  نفس اللحظة  أحسست بقرف  الملابس العسكريّة على جسمي، وبالنداءات اليائسة في بطني، كأنها  تتضمن الاحتجاج البائس  للإنسان  التالفة أعماقه  في معسكرات الجنديّة. 



(ترجمة: أمين خير الدين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الثورة الليبيية

featured

كواليس النظام التركي وداعش

featured

هل بوسع واشنطن اسقاط ثلاث حكومات في وقت واحد؟

featured

الكذب مُكدَّس على الطرقات!

featured

طُغــاة الشــوارع

featured

هداية "حماس" إلى الصواب

featured

لإشفاء جهاز الصحة

featured

المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية: فشل في حل الصراع ونجاح في ادارة الخداع