يختلف نظام العقيد معمر القذافي ، عن نظام تونس ومصر، اللذين تمت الاطاحة بهما سلمياً، بعد أن رضخا لادارة العوامل الثلاثة التي صنعت التغيير وهم : الشعب ، الجيش والقرار الدولي .
ففي تونس ومصر ، حاول كل من نظاميهما ، ردع مظاهرات الأحتجاج والانتفاضة والثوره المدنية، ولكن الجيش في كلا البلدين بقي متماسكا ومحافظا على مؤسسات الدوله وحمايتها ، مثلما بقي متصالحا مع جماهير الشارع موحداً معها وعمل على كبح جماح أجهزة الأمن ، مستمعاً لنصائح المجتمع الدولي الأمريكيه الأوروبيه ، والتي بقيت مسموعة لدى الرئيسان زين العابدين بن علي وحسني مبارك مثلما كانت مسموعة ولا تزال لدى قادة الجيشين التونسي والمصري، مما سهل عملية التنحي والرحيل لكلا الرئيسين .
تونس ومصر تنتمي لمجموعة البلدان العربية التي تحتاج وتتلقى المساعدات الماليه المدنية والعسكرية الامريكية والأوروبية مثلها مثل موريتانيا والمغرب والأردن واليمن وفلسطين ولبنان ، مما يجعل لنصائح واشنطن والعواصم الأوروبية ، وتدخلاتها ورغباتها وقراراتها، أثراً ملموساً لدى اصحاب القرار السياسي والعسكري والأمني في مجموعة البلدان العربية التي تتلقى المساعدات غير النزيهة المسخرة لخدمة الأهداف السياسية المنسجمة مع المصالح المشتركة بين هذه المجموعة من البلدان العربية ، وبين الولايات المتحدة والمجموعه الأوروبية .
والأمر نفسه ينطبق على مجموعة البلدان العربية الخليجية الستة التي لا تحتاج ولا تتلقى المساعدات المالية من الغرب ، ولكنها تحتاج للحماية العسكرية والأمنية من قبل أميركا وأوروبا ، مما يجعلها تنصاع أيضاً بشكل أو بآخر لنصائح وتوجيهات السياسة والمصالح الأميركية الأوروبية .
ليبيا ، تقع ضمن المجموعة الثالثة التي تضم ليبيا وسوريا والسودان والتي لا تتلقى المساعدات المالية الغربية كما هي المجموعة الأولى ، ولا تنتظر الحماية الأمنية والعسكرية الأميركية والأوروبية كما هي المجموعة الخليجية الثانية ، والمجموعة الثالثة تتوسل بناء العلاقات مع الغرب كي لا تبقى أسيرة لسياساته وأن تخرج من قائمة الدول الشريرة التي ترعى أو تدعم الإرهاب ، ولذلك سعت ليبيا قبل سنوات لتغيير سياستها بعد المصالحة مع قضية لوكاربي ودفعت التعويضات الباهظة وتخلت عن أدوات التسلح الشاملة ودمرتها وتسعى للإندماج مع المجتمع الدولي وفق القيم الأميركية الأوروبية .
ولذلك لا تقع ليبيا تحت رحمة المساعدات أو تحت متطلبات الحماية ، ولهذا تجد نفسها في موقع لا تقبل فيه النصائح أو التعليمات ، ولا تستصيغ التدخلات ، ولا أثر لهذه التدخلات في مؤسستها العسكرية والأمنية ، أو لدى مؤسسات المجتمع المدني ، فالأموال الليبية كافية لتغطية احتياجات المؤسستين العسكرية والمدنية الليبية ، ولا تشعر بالخطر حتى تضطر لقبول الحماية .
الثورة الشعبية الليبية ، لم تحظ برعاية المؤسسة العسكرية وعدم تدخلها في الأحداث ، كما حصل في تونس ومصر لأن المؤسسة العسكرية لا علاقة لها بأميركا وأوروبا كما هو الحال لدى المجموعتين العربيتين اللتين تتلقيان المساعدة المالية والحماية العسكرية ، ولذلك جاءت قراراتها محلية ، أما تلك الصادرة عن العقيد القذافي وتعليماته ، أو تلك الصادرة عن ضمائر الضباط والجنود الذين وجدوا أنفسهم في موقع لا يستطيعون فيه ذبح شعبهم فتخلوا عن مواقعهم ووظائفهم لمصلحة الشعب المنتفض ، أو سخروها للتصادم مع أقرانهم العسكر الموالين للقذافي ، ولهذا تحولت الحالة الليبية من حالة مدنية في مواجهة الطاغية إلى حالة مختلطة صعبة المراس والنتائج ، سيراق فيها الدم بقوة حتى تصل الثورة الشعبية إلى غاياتها في نظام مدني تعددي ديمقراطي .
لن يصمد العقيد ، أمام الإدارة الشعبية والقرار الدولي ، وسيتعرض للحصار القاسي ، بوقف ضخ البترول وتجميد أرصدته في الخارج ، وفرض حظر الطيران وغيرها من الإجراءات التي تعمل على إضعافه وشل قدرته على الصمود والمواجهة مع ضخ إعلامي يحرض الليبيين على الإنحياز لقضية الثورة وأهدافها .
وفي الوقت الذي يترنح فيه نظام القذافي ، فهو يرتكب الموبقات التي تزداد فيها حالات الإستقطاب والإنحياز ضد سياساته وإجراءاته بحق شعبه مما يدلل على تهالك هذا النظام وعدم تكيفه مع قيم العصر ، وأنه يسير حتماً نحو حتفه ونهاياته البائنة في الأفق ، مهما صمد لأسابيع أو أشهر ، ونهاياته لن تختلف عما حصل في تونس ومصر، ولكن تفاصيلها ستتخللها مظاهر دموية بشعة ...ومؤلمة .
