"مثل ما لملموا المصاروه حالهم وعبروا ..أنا بقدر ألملم شقف هذا الرديو، وأخلّيه يحكي .!" ..ردَّ أبي على أمي عندما صاحت به :
"ما زهقتش وانتَ كل هذه الساعات بَلْشان بالراديو.!؟" .
واستمرَّ في محاولاته ..وهو يردد بين الفينة والأخرى : "لازم تحكي .! مش ممكن أتركك .. إلا ما تحكي.!" .
**
ذلك اليوم.. نسميه في حارتنا : "يوم الترانزستور.!".
أحضره أبي من المدينة ..دون سابق انذار .!
كان مفاجأة المفاجآت !
كأنك صفَّرتَ "طُوتْ " في الحارة ..
تجمع أهلها، كبيرهم وصغيرهم، حول الراديو ،الذي كان موضوعًا، في وسط عقدنا الكبير ..
لم ينتبه أحد الى ما يبثه الراديو، ولكن كانت عيونهم منصبة مسحورة، بهذا المخلوق العجيب،الذي يشتغل بدون بطارية بجانبه !
وقبل ان يتفرَّق الجمع، أعلن أبي على الملأ، أن جميع أهل الحارة مدعوون، لسماع خطاب "جمال"،الذي سيذاع بعد صلاة العشاء.
كان أبي مولعًا بجمال عبد الناصر.. كان إذا ذكره يسميه "جمال" فقط ، دون ان يلفظ بقية اسمه، كأنه أخوه أو صاحبه الحميم، أو وحدًا من أولاده .
كان يحرص على سماع خطبه، فإن فاته خطاب منها " حدّ وقدَّ !"، وتمرُّ أسابيع وأشهر ، وهو يلعن المسبب والأسباب التي سببت خسارته للخطاب .
وكان في يوم الخطاب،الذي كان يسمعه عند ابن عمه المختار، يرفض كلَّ المهام والأشغال، التي قد تمنعه من سماعه .
كان يعلن لكل من يحاول، ان يكلّفهِ بشيء:
"اليوم جمال ..!"
فيسكتْ الطالب،لأنه يعرف ان كل محاولاته معه ستكون عبثًا .
عندما بدأت حرب "السبعة والستين"، كما سمّاها، جلس على بساط جلد الخروف، الذي يجلس عليه عادة متربعًا، وأمامه الترانزستور . مفتوحًا على إذاعة صوت العرب من القاهرة، ومخرسًا كل صوت ، يمنعه عن "التهام" كلِّ كلمة تصدر عنه . وكان كلَّ ما سمع خبرًا،عن انتصار "جيش جمال "، كما كان يسمّيه كان يصيح :
"تحيا يا جمال ! .. تحيا مَصِر!"
وعندما بدأت أخبار، هزائم الجيوش العربية ، تتسلل الى مسامع الناس، رفض سماعها أو تصديقها .
الى ان سمع خطاب التنحّي..!
تنحّي جمال عن الرئاسة .!
كان يجلس متربعًا أمام الراديو، يسمع ويشهق.. كان قد نسي كيف يبكي .. حتى أمه لم يستطع البكاء عليها..!
وعندما سمع كلمة " التنحّي"، قام من مكانه، ورفع الراديو بيده عن المصطبة ، ورماه بكلِّ قوَّته قاصدًا إسكاته، من الباب الى ساحة الدار..
ولكن صوت الراديو أبَى ان يسكتْ ..
فقام من مكانه ولحق به، وبدأ " يُخَبِّط " عليه بقدميه كالمجنون ويصرخ :
" إنخرس . ! إسكتْ .!
والرديو يحكي ..
يدقه ويصرخ .. يدقَّه ويصرخ ..!
والرديو يحكي ..
إلى ان أسكته ..
تركه مكانه ودخل غرفة نومه، وأغلق بابها خلفه .. ولم يخرج منها إلا في اليوم التالي .
أما أنا فبقيت مصعوقًا متجمِّدًا في مكاني.
وأخذ مني وقتًا طويلًا، حتى قمتُ على رجليَّ، واقتربتُ من الراديو ولملمتُ أجزاءه المتناثرة، ووضعتها في صندوق من الكرتون كان بجانبها، وأدخلته الى مخزن البيت الخارجي .
و "صام" عن سماع الراديو، ولم يشارك أهل الحارة، في الاستماع للراديو الذي امتلكه جيراننا .
ولم يظهر عليه انه يكترث،عندما وصلتْ الى أسماعه، أخبار رجوع جمال عن استقالته، بعد المظاهرات الجماهيرية.
وإذا دار أمامه حديث، يتعلق بأوضاع المنطقة، كان يترك الجلسة، ويهرب ليتوَحَّد في غرفته.
لا أعرف كيف وصلتْ إليه، أخبار موت جمال ..!
اقتربتُ من باب غرفته المغلق، قاصدًا "زفَّ" له خبر وفاته، فسمعتُ نشيجًا متواصلًا يقطِّع القلب..
فعرفتُ انه يبكي جمال..!
فتركته يبكيه وحده ..عرفتُ ان هذه إرادته ..
في السادس من تشرين الثاني، رجعت من المدرسة الى البيت، فوجدته ينتظرني،على أحرَّ من الجمر.!
وقبل ان أدخل من باب البيت، صرخ بيَّ :
- وين حطّيتْ الراديو!؟ سألني معجِّلاَ استجابتي لطلبه..
- في المخزن! ..مكسَّر .. ما فيه فائدة ! قلتُ محاولًا إبعاده عن طلبه .
- روح جيبه.! وروح اشتري حجار بطرية..!
- شو بدَّك بيه !؟ صحت ُ مستغربا.
- مبيِّن ولعتْ حرب.!
عندما رجعتُ من الدكان حاملًا البطاريات، هالني ما رأيت ..
كان أبي جالسًا في مكانه المعتاد، و فاردًا أمامه عدَّته:
المفكات والبراغي والكماشة،علبة الدِّبق، وربطة من الأسلاك ..
كان منهمكًا في شدِّ البراغي، وتركيب غيرها مكان الناقصة منها، وتبديل أسلاك يقطعها من الراديو، ويبدلها بأسلاك يقصها من ربطة الأسلاك، ويدبِّق أجزاء الراديو ببعضها، بدبقٍ يتناوله من العلبة بإصبع يده .
كان العرق يتصبب من وجهه، الذي تحوَّل الى كتلة سوداء.. وعروقه انتفخت في جبينه، حتى كادت تنفجر.
أردت ان أقول له، انه عبثًا يحاول ، تجميع أجزائه، ليعود للعمل من جديد، فخفتُ ان ينفجرغله المحبوس في وجهي!
"هات الدُّخان..!" صاح بيَّ .. وهو يشدُّ أحد البراغي بالمفك للمرة "الألف".!.
تناول علبة الدُّخان من يدي، دون أن يلتفت إليَّ ووضعها بالقرب منه..!
كانت عيناه وحبال تفكيره ، منصبة على الراديو..
مدَّ يده زاحفة الى علبة الدٌّخان، وتحسسها كي يصل الى سجائرها، ويتناول واحدة منها، دون ان يرفع عينيه عن الرايو ..
وإذا به يسحب الورقة الفضية، التي تغلِّف السجائر..
أخذها بيده، وقسمها الى قطعتين، وضع واحدة منها جانبًا ..
أما الثانية، فقد حشرها بين حجر البطرية، وحاوية الحجارة ..
وتناول قطعة الورق الأخرى، وحشر فيها حجارة البطرية من الجهة الأخرى .
هنا القاهرة ..! انطلق صوت الراديو، معلنًا عودته الى الحياة .
"قواتنا عبرت القناة، ودحرت جيش العدو الى الشرق..واقدامنا الآن على تراب سينا..!"
"لقد سقط خط بارليف.!" استمر صوت الراديو في بث أخبار المعركة ..
كلُّ هذا وأبي متجمِّد مسحور في مكانه، تتبدل على وجهه تعابير الدهشة و الفرح والزهو، وعدم التصديق..
في المساء،عندما تأكدت أنني أستطيع " خطف " لحظة من وقته مع المعركة، التي تنطلق من الرديو..
جلست بجانبه، نظر الى وجهي بعينين تملؤهما الدموع ..
وهمس بحزن يملأه الحنين:
" الفرحة ما تمتْ.. ينقصها جمال.!".
(عرعرة)
