الناتو في ليبيا، يطعم شعبها الحرية.. (للرسامة المصرية رشا المهدي)
كانت كلينتون تحضّر بذكاء لمعركتها الانتخابيّة عبر معارضة كل سياسات أوباما في السياسة الخارجيّة من جهة اليمين، والتصلّب كي تفوّت الفرصة على أعدائها لانتقادها في ما بعد على أساس ضعف مواقفها ومعارضتها للعمل العسكري (لم يكن أوباما يأخذ برأيها في معظم الأحيان، وكان هو يقرّر مسائل السياسة الخارجيّة بمفرده، للمرّة الأولى منذ عهد ريتشارد نيكسون، وإن كان أوباما يفتقر إلى شخصيّة مثل كيسنجر يعتمد عليها في هذا المجال من السياسات). وقرّبت هيلاري نفسها من روبرت غيتس كي تبدو في صف اليمين في السياسة، كما أن الخيار العسكري كان دوماً هو المُفضّل عندها (وهي تزهو هذه الأيّام كيف أنها حاولت قدر المستطاع أن تُبقي على حسني مبارك في الحكم إلى أبد الآبدين).
لكن السرديّة الغربيّة والعربيّة عن ليبيا في ذلك الربيع كانت مرسومة بعناية من قبل الحكومات المعنيّة ووسائل الإعلام المتعاونة. التضخيم الإعلامي الذي رافق أو حضّر لمرحلة غزو حلف «الناتو» لم يسبق له مثيل... إلا عندما تحضّر أميركا لغزو بلد عربي. أرقام مضخّمة وسيناريوهات مختلقة مُستقاة من الحرب العالميّة الثانية وجرائم حرب هتلر. وكانت محطة «الجزيرة» (قبل أن تفقد كل صدقيّتها وقبل أن تفقد جمهورها وتصبح صوت الإسلاميّين الصادح في البراري) تدوّي في تقارير تنبئ بمشيئة النظام القطري الذي حلم بإعادة رسم المنطقة وفق أهوائه الإسلاميّة (متحالفاً بذلك مع الحكومة التركيّة). وبسبب غياب الدور السعودي في آخر أيّام عبدالله بن عبد العزيز أدار حمد بن جاسم الجامعة العربيّة كما يشاء من دون معارضة أو رقيب (كما تديرها اليوم العائلة السعوديّة المالكة). كانت «الجزيرة» مع وسائل الإعلام الغربيّة تتحدّث عن ضحايا بعشرات الآلاف، وهناك مَن تحدّث في حينه عن أكثر من مئة ألف ضحيّة. هذا التهويل كان مقصوداً طبعاً. ولم نعلم حقيقة أكاذيب تلك الحقبة إلا بعد الغزو. لم تقم منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة (وهي باتت الرديف «الأخلاقي» للجيوش الغربيّة الغازية في منطقتنا) بتصحيح الصورة أو بالتحذير من استغلال قضايا حقوق الإنسان من قبل حكومات الغرب لتسويغ حروبها وتدخّلاتها العسكريّة. لكن منظمة «هيومن رايتس ووتش» انتظرت انتهاء الغزو لتوضح بخجل أن الرقم الحقيقي لضحايا نظام القذّافي بلغ 350 متظاهراً (أي أقلّ من ثلث ضحايا قمع نظام مبارك الذي دعمته الحكومة الأميركيّة حتى الرمق الأخير) ــ ولا يمكن التهوين بعدد الضحايا، لكن الرقم لم يكن مئة ألف. غير أن التعاطي والتداول بعدد الضحايا لم يكن في حسبان الحكومة الأميركيّة إلا للاستغلال السياسي. حتى الساعة، ترفض الحكومة الأميركيّة أن تذيع تقديراتها الرسميّة (السريّة) لضحايا غزوها واحتلالها للعراق وأفغانستان (والرقم بحسب تعداد منظمّة طبيّة بريطانيّة قد يتعدّى المليون في حالة العراق فقط).
لكن حجّة هيلاري كلينتون لم تكن مدعومة فقط من الحليفين البريطاني والفرنسي، بل أيضاً من الحلفاء العرب. وهذا التوافق بين الحلفاء العرب (أي الأنظمة القطرية والإماراتية والسعودية) وبين الحلفاء الغربيّين هو الذي رجّح كفّة الغزو والتدخّل عند أوباما الذي وافق على خطة التدخّل، وإن تحت مسميات واهية من قرار في مجلس الأمن (سُمِح للمندوب اللبناني بتقديمه هناك كي لا يبدو أميركيّ المنشأ). طبعاً، لم تكن الحكومة الأميركيّة في وارد احترام القرار بحذافيره (قد يكون هذا الاستهتار بقرار الأمم المتحدة من قبل الحكومة الأميركيّة وتطويع القرار لغايات هجمة من حلف شمال الأطلسي السبب الرئيس لتغيّر موقف الصين وروسيا نحو مبادرات الولايات المتحدة في الأمم المتحدة).
لكن التقرير في «نيويورك تايمز» يكشف أيضاً أنّ الحكومة الأميركيّة أجهضت مشروعاً لتلافي حرب مدمّرة في ليبيا، إذ إن مسؤولاً عسكريّاً رفيعاً في ليبيا تقدّم بمشروع لوقف إطلاق النار يسبق ترحيل القذّافي وعائلته عن البلاد، لكن الحكومة الأميركيّة تجاهلت المبادرة (كما أن الحكومة الأميركيّة تجاهلت مشروع القرار الفرنسي في 1990 لتلافي الحرب الأميركيّة ــ العربيّة ضد الجيش العراقي والشعب العراقي في عام 1991)، وكانت هناك مساع عبر قنوات أخرى لتجنيب البلاد حرباً غربيّة ــ عربيّة مُدمّرة، لكن لم تكن الدول الغربيّة (وتابعاتها العربيّة الخليجيّة) في وارد وقف الحرب. كانت هناك طموحات النفوذ والنفط ووهج النصر اللائح. وكالعادة، تتذرّع الحكومة الأميركيّة بأن عروض السلام لم تكن «جديّة». لكن متى قبلت الحكومة الأميركيّة بعروض سلام بعدما تقرّر شنّ حرب؟
طبعاً، فإن الطاغية الليبي سعى إلى تذكير الحكومات الغربيّة بمدى مساعدته لهم وكيف يجمع المعلومات عن «التنظيمات الإرهابيّة» ــ بالمقياس الأميركي ــ وكيف يُعذّب إسلاميّين في سجونه. وهذه حال الأنظمة عندما تواجه خطراً غربيّاً محدقاً. تسعى إلى طمأنة الغرب الصهيوني بأشنع الوسائل (كما أن رامي مخلوف في سوريا ــ هل لا يزال متفرّغاً لأعمال البرّ والإحسان؟ ما أخباره، يا ترى؟ ــ حاول بعد اندلاع الانتفاضات في سوريا في أوّل حديث صحافي له أن يُطمئن العدوّ الإسرائيلي).
لكن تجمّع الحماسة العربية الخليجية من أجل المساهمة في إقصائه كان في جانب منه انتقاميّاً لأن القذّافي لم يكن محبوباً من قبل زملائه الطغاة، كما أنه وقع في مشكل مع الحكم السعودي (بناءً على سوء فهم لأن الملك السعودي، عبدالله ــ الذي يعصى الفهم البسيط عليه ــ ظنّ أن القذّافي في كلام له في جلسة مفتوحة للجامعة العربيّة كان يذمّ الملك فهد، فيما كان هو يكيل المديح له). والأحكام القاسية التي كان القذّافي يصدرها ضد بعض زملائه الطغاة كانت مزعجة لهم. لكن النظام العربي الرسمي نظام محافظ ويسعى إلى الحفاظ على نظام الطغيان على أن لا يخلّ طاغية بهذا النظام، أو يسعى إلى قلب نظام الحكم في دولة ما (القذّافي كان يدعم جهاراً حركات معارضة في دول عربيّة شتّى). كما أن الرغبة الجامحة لدى النظام القطري بالسيطرة على مقدّرات العالم العربي برمّته (كم يبدو هذا الطموح غبيّاً اليوم، فيما يُسيّر آل سعود قطر وغيرها من أعضاء مجلس التعاون الخليجي) زادت من حماسة المشاركة العربيّة في العدوان على ليبيا.
ومحمود جبريل والمعارضة «الليبراليّة» خاطبت العالم بلسانين، على عادة المعارضات العربيّة الموالية لواشنطن: هي خاطبت دول الخليج بلسان محافظ وخاطبت الغرب الصهيوني بلسان أصول مخاطبة الكونغرس. والمعارضة التي نجحت في غضون أشهر فقط في إرجاع وضع المرأة إلى عقود إلى الوراء كانت قد أغدقت وعود التحرّر على هيلاري كلينتون ــ هذا لا يعني أن الإدارة الأميركيّة تحرص البتّة على حقوق النساء في أي دولة في العالم، لكن هيلاري لعبت دور الحريصة على حقوق الأخوات (خارج الأنظمة الموالية للمشيئة الأميركيّة).
وشعار «حماية المدنيّين» حسب القرار المطّاط الرقم 1973 الصادر عن مجلس الأمن تحوّل بسرعة إلى قرار عدوان غير مشروط. وتعترف مستشارة هيلاري كلينتون نفسها، آن ماري سلاتر، اليوم (في المقالة المسهبة نفسها في «نيويورك تايمز») بأن حماية المدنيّين لم تعن لهم حماية المدنيّين الذين يعيشون في مناطق لا تسيطر عليها المعارضة المدعومة خارجيّاً. والمدنيّون والمدنيّات (كما في سوريا) صنفان بالمعيار الأميركي ــ الغربي: صنف يستحق الدعم والاهتمام، وصنف آخر يستحق القصف من الجوّ والقتل. لا بل إن جرائم الحرب من قبل فصائل المعارضة المُسلّحة بدأت مُبكّراً، لكن قطر كان تغدق السلاح على فصائل المعارضة المسلّحة (وتصنّعت الحكومة الأميركيّة في ما بعد عدم القدرة على منع قطر، كأن النظام القطري أو السعودي يرد طلباً للحاكم الأميركي). وعبّرت هيلاري باسم الإدارة عن رضاها: قالت إنها انتشت لمشهد قوّات عربيّة تشارك في القصف في ليبيا. كانت لحظة تاريخيّة، أو قل (وقولي) إنها إيذان بمرحلة جديدة. يُسمح لقوّات الطغاة الخليجيّين بالمساهمة في القتال بالنيابة عن التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي، كما يُسمح لهم بالموت ذوداً عن مصالح ذلك التحالف. إنها معركة الهويّة العربيّة في القرن الواحد والعشرين ــ لكن بقيادة أميركيّة، كما تصرّ أنظمة الخليج. (انتهى)
* كاتب عربي، "الاخبار"
