الجمع والقسمة في الحساب. وفي اللغة جمع وقسمة أيضًا... قبل أيام التقيت رجلا طيبًا من بلدنا، ابتسم الرجل وحيّاني بتحيّة حلوة حسنة، لم أجد أحسن منها حتى أحيّيه بها فرددتها نفسها عليه. بدا الرجل وكأنه كان ينتظر لقائي منذ زمن بعيد. وبعد السلام والكلام قال: يا أستاذ أنا أحترمك وأحترم علمك ويهمّني أن أسمع رأيك فيما يحدث في سوريا. وسألني على الفور: هل أنت مع بشّار أم مع الثوّار يا أستاذ؟أدركت من صيغة السؤال ثمّ من كثرة السلام والإطراء أنه يريد إجابة بعينها ليدعم بها قناعاته الجاهزة. وويل لي إن لم يكن جوابي موافقًا لتوقّعاته. أو هذا ما ظننته، وبعض الظنّ إثم. رددت عليه بعد تردّد وقلت: أولا،أنا مع بَوّار. ثانيًا، في سؤالك أمران لا أطيقهما. الجمع في المعيّة والقسمة على اثنين بدون كسور. أنا لا أحبّ المعيّة بقدر ما تحمله من معاني التبعيّة، فلست تبعَ أحد. حتى أنني أقفز عن درس واو المعيّة لشدّة مقتي لظلال المعيّة.والتبعيّة والمعيّة تجعل الواحد منا إمّعة. ومن يرضى أن يكون إمّعة؟! أما القسمة على اثنين في سؤالك فتعني أنّ الإجابة التي تريدها لا تقبل خيارًا ثالثًا، ولا تقبل الكسور، فإما أكون مع بشّار بالمطلق أو مع الثوّار بالكليّة. أهون أنواع القسمة هي هذه التي تكون على اثنين بدون كسور. قسمة سهلة حتى على من أنهى المدرسة الثانوية في القسم الأدبي مثلي. على العموم، أنا لا أحبّ الكسور لا في الحساب ولا في العظم ولا في الخاطر، لكنها ضرورة من ضرورات السياسة ومتاهاتها. فالحياة باتت مركّبة ومعقّدة ولم يعد النظر إليها باللونين الأبيض والأسود مجديًا مثلما كانت.
قرأت ما كتبه الرفيق الحاجّ توفيق كناعنة عن الغرب الذي يوجع الرأس ولا يسرّ القلب. وكيف لا أوافق على ما قاله في المقال وقد صدق الرجل في قوله؟! لكني استسمحه في التعليق والإضافة... ما دمنا في سيرة الغرب فلا غريب إلا الشيطان. والشيطان الأكبر يقرفص على سياسات الغرب وسياسات العرب، أقصد العرب الغاربة والمغتربة والمتغرّبة والمستغربة، باختصار كلّ الأشكال الغريبة من العرب. فكيف لا أكون أنا وابن عمّي على الغريب؟! وسأظلّ مع ابن عمّي على الغريب حتى يلملم أبعاضه وينقلع. نحن معك على كلّ أولئك الغرباء البعداء يا عمّي توفيق.
لكنّي مثلك مع العمال في مصانعهم أيضًا والفلاحين في حقولهم والموظفين على مكاتبهم والشحّاذين المطحونين في الشوارع وفوق الأرصفة. أنا من الناس وأنا معهم أينما حلّوا وأينما ارتحلوا. حتى "الجنّة بدون ناس ما بتنداس". وإذا كان الناس يسعون إلى حقّ صادره مليكهم فأنا معهم. وإن كانوا يتوقون إلى لقمة منقوعة بالكرامة "رانخة" بعزّة النفس فأنا قدّامهم أيضًا. أنا أخوهم على ابن عمّي إن كان من الظالمين. وبعد أن ينصرف الغرباء البعداء لا بدّ أن أكون مع أخي على ابن عمّي حتى يعود عن ظلمه. أنا مع الحقيقة. والحقيقة التي أعرفها ولا أعرف غيرها هي سوريا، هي الشعب العربي السوري أميل معه حيث يميل. ولينقلع ترامب وليأخذ معه كلّ زبانيته وكلّ المأجورين المرتزقة وليتركوا الشعب السوري يحاسب نفسه ويحاسب نظامه مثلما يليق بالحساب أن يكون! وهل وُجدت الأنظمة أصلا إلا لتُحاسب؟!
عقد الرجل ما بين حاجبيه وظلّ يلوي شفتيه كما لو كان يشمّ رائحة كريهة وقال: لم يعجبني جوابك يا أستاذ...فقلت له: حكايتي معك يا رجل مثل "مصيّفة الغور، لا صيف صيّفت ولا عرضها صانته"!
