يحلو لوسائل الإعلام الإسرائيلي وصف العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة بالحرب وكأن جيشين نظامين بطائراتهما ودباباتهما يتصارعان على احتلال موقع أو منطقة معينة. والحقيقة هي غير ذلك, فإسرائيل تستعمل طيرانها الحربي وتقصف من الجو المؤسسات الفلسطينية بما فيها مباني الحكومة المختلفة, مدارس, مساجد وحتى مباني الجامعة الإسلامية. مقابل ذلك يقيم الإعلام الإسرائيلي الدنيا ويقعدها عندما يرتطم صاروخا عبثيا بحضانة أطفال فارغة. براك وباقي الزعامة الإسرائيلية يعلمون (من تجربة الحرب اللبنانية الأخيرة) أنهم لا يستطيعون حسم هذه الحرب من الجو فصبوا جام غضبهم على المباني العامة والمدنيين متوخيين من ذلك إرهاق حركة حماس وعزوفها عن إطلاق الصواريخ واستسلامها؟ المحللون السياسيون والعسكريون يعتقدون أيضا أن الهجوم البري والبحري التي بدأته إسرائيل هدفه الضغط على العالم للتدخل من أجل تحقيق أهداف العدوان. ولن تستطع الحكومة الإسرائيلية التوغل واحتلال القطاع كليا.
أذا الغارات الإسرائيلية لم ولن تحقق أهدافها والحكومة الإسرائيلية التي تغنت بعمليات طيرانها ستضطر خلال الأيام القليلة القادمة لجرجرة أذيالها, كما حدث في لبنان, فالعنف يؤدي للعنف . فهي كالمريض في السرطان الذي يتعاطى الأسبرين لمقاومة مرضه. والأخطر من ذلك هو الشعب الإسرائيلي وسلوكه عند أزمات كهذه. كيف نفسر أن الشعب الإسرائيلي هو الشعب الوحيد في العالم الذي يعارض نصفه تقريبا كل مبادرة سلام ويتوحد كله بيساره ويمينه في تأييده الأعمال العدوانية والحروب كما حدث في الحرب اللبنانية الأخيرة وفي العدوان الحالي على غزة؟؟ كيف نفهم رقص الشعب الإسرائيلي المتواصل على الدم الفلسطيني؟ ما بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة وقتل أبنائها حتى زادت شعبية براك, وزير الدفاع و حزب العمل, ب 50% . شعب يؤمن كل ما تدهورت أحوال الفلسطينيين تحسنت أحواله؟؟
فقير هذا الشعب,. فالحكومة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي استطاعوا غسل دماغه برمته تقريبا. الرواية الإسرائيلية الرسمية لما يحدث اليوم هو أن حركة حماس ترفض الاعتراف بإسرائيل فقد "انسحبنا من غزة وما زالوا يطلقون الصواريخ علينا". تاريخ الصراع يبدأ عند الشعب الإسرائيلي منذ الانسحاب من غزة قبل عامين ويتغاضى عن حقيقة أن غالبية سكان قطاع غزة هم من اللاجئين الفلسطينيين اللذين طردوا من بيوتهم في العام 1948 وما زالوا يقبعون في مخيمات اللاجئين فمن المسئولين عن مأساتهم؟ هل يمكن أن نتصور هدوءا في الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة بدون حل قضايا اللاجئين حلا عادلا يرتكز على المواثيق والقرارات الدولية. أن ذر الرماد في عيون الإسرائيليين حول الانسحاب من غزة قد اعمي الإسرائيليون أنفسهم وليس غيرهم. الحكومة الإسرائيلية تكذب على شعبها عندما تقنعه بأنها تستطيع حل قضايا دولة إسرائيل عن طريق استعمال القوة. فإسرائيل وبعد ستين عاما منذ قيامها وانتصارها عسكريا على الجيوش العربية في كل الحروب التي خاضتها تقريبا, وبنت ما يسمى "الجدار الفاصل" لكنها لم تحقق الأمن لمواطنيها المذعورين حتى من صوت صاروخ بدائي.
نعم إسرائيل بدأت هذا العدوان لكنها لا تستطيع إقرار نهايته. إن التجربة الطويلة للصراع العربي الإسرائيلي وتجارب نزاعات في مناطق أخرى من العالم تؤكد إن عهد إخضاع الشعوب والهيمنة عليها قد ولى. لذلك فان المقدمة الأولى لحل الأزمة الحالية تمر عبر الإيقاف السريع للعدوان ورفع الحصار عن غزة وفتح المعابر الستة بين إسرائيل وقطاع غزة.
أن حالة الانقسام الفلسطيني كانت وما زالت الثغرة التي يدخل منها كل من لا يريد الخير لشعب فلسطين. والواضح للعيان أن قيادتي حركة فتح وحماس لم تستثمرا كل الجهود والطاقات لإعادة اللحمة للبيت الواحد. ومن المؤسف حقا غياب أي دور لرئيس السلطة الفلسطينية الذي ينظر لإحداث غزة وكأنها تحدث في جنوب شرق أسيا وليس على أرض وشعب هو ممثلهما ورمزهما الأول. كنا نتوقع من الرئيس أبو مازن الإعلان الرسمي عن وقف المفاوضات ووقف التنسيق الأمني مع الحكومة الإسرائيلية. نتوقع من سيادة الرئيس الفلسطيني التوجه رسميا للسلطات المصرية لفتح معبر رفح على مصراعيه. بالإضافة لذلك فان سفره الآن, نعم الآن, للمكوث مع أبناء شعبه بمحنتهم في غزة هي خطوة جديرة أن تساهم في الوحدة. نعم لم يترك الشركاء الإسرائيليون لاتفاقيات أوسلو وانابوليس أي مبان للحكومة الفلسطينية بعد تدميرها. لكن قلوب الغزيين , وخاصة في مخيمات اللاجئين, تتسع للجميع وقادرة على حضن رئيسها.
لا شك أن صمود الشعب الفلسطيني في غزة لأكثر من عشرة أيام أمام الآلة الحربية الإسرائيلية يحرج الأنظمة العربية, حيث قامت إسرائيل باحتلال أراضيها بستة أيام وليس أكثر. يحرجها ويكشف عورة ديمقراطيتها التي لا تحتمل مظاهرات سلمية ضد العدوان ودعما للشعب الفلسطيني. هذه الشعوب تؤمن بمبدأ مقاومة الظالم وبثقافة المقاومة بعكس قياداتها التي ما زالت تراهن على المفاوضات العبثية. نعم هناك تواطئا عربيا مع العدوان على غزة. هكذا كان قبل أكثر من عامين في العدوان على لبنان, وإلا كيف نفسر فشل اجتماع وزراء الخارجية العرب في اتخاذ أي قرار عملي يرفع بعض الضيم ويقف العدوان على غزة؟ مقابل ذلك ينشط رئيس الوزراء التركي وينتقد إسرائيل بأقسى الكلمات. من جهة أخرى لم يبق للأنظمة العربية إلا أن تستنكر وتتضامن مع أبناء الشعب الفلسطيني وكأنها تحكم على كوكب آخر. من المؤسف أن تستمر هذه الأنظمة بالتعويل على ألأمم المتحدة. هذه المؤسسة العالمية التي استطاعت زعيمة العالم الحر والنظام الدولي الجديد, الولايات المتحدة, خصيها ودهورة مكانتها العالمية .
بهذا الزمن العربي الرديء لم يبقى لأمة العرب والمسلمين إلا أن ترفع رأسها بحذاء ذلك الصحفي العراقي الشهم. نعم حذاء يرفع رؤؤسنا نحن امة العرب والمسلمين, فهل سيكون الحذاء الثاني في الطريق؟
