المحضر لا المنظر ..

single

كلمة المحضر في هذا السياق تعني بالتحديد وجود المرء في مجموعة من الناس ، ان كان ذلك في البيت ، في احتفال معين ، في مناسبة خاصة او عامة ، وما يقوم به هذا الانسان من خلال حديثه او مشاركته ، نوعية هذا الحديث وطريقة هذا الحديث ، وربما الغاية او القصد من هذا الحديث ، وقد يكون هذا الحديث بكل حالاته مقصودا  او هادفا لغرض معين وفي كثير من الاحيان يكون صادرا عن طيبة قلب وعن نية سليمة صادقة .
  والمنظر في مثل هذه الحالات يقصد به شكل هذا الانسان المشارك في الامور الآنفة الذكر ، فقد يكون المرء جميلا ممشوق القامة ، بهي الطلعة ، جذابا  في كلامه ، وقد يكون ايضا قبيح المنظر ، قصير القامة ، نظراته غريبة غير سليمة وغير مقبولة ومرفوضة بكل اشكالها ، وكثيرا ما يشهد الانسان من خلال اللقاءات والمناسبات كما اسلفت اناسا كثيرين من مختلف المحاضر والمناظر ، الا ان الامر في اتخاذ موقف معين من هذا او ذاك منوط به هو فقط وبناء على ما يلمسه ويلاحظه ويستنتجه خلال هذا اللقاء او في هذه المناسبة .
  وربما يأتيك انسان طويل القامة ، انيقا ، لبقا في كلامه ، يدخل عراك الحديث في موضوع معين ، ويظهر وكأنه ضليع في التمييز ويتخذ موقفا ضد فلان او علان من الناس ، ويأخذ طريقه في الذم والاغتياب والقدح والنعت بصفات غير مقبولة ، وقد تكون نابعة عن ضغينة معينة او لتحقيق غاية ما ، وكثيرا ما تكون هذه الغاية كسبا ماديا ، او الحصول على ثروة ما مقابل موقفه هذا او حديثه هذا ، ورغم منظره واناقته ولباقته في الحديث يكون عند هذه الحال بعيدا عن الانسانية ، ويبرز على حقيقته بعد حين بانه مستأجر رخيص ، ولا يؤثر في ذلك منظره ابدا حتى لو كانت عيناه زرقاوين والفاظه منمقة على اصول اللغة والحديث ، امثال هذا النوع من الرجال لو تحلوا بجمال فتان وبطلعة بهية وبمظهر لائق جذاب ، او انهم اكتسبوا ثقة بعض الناس لفترة ما ، او تمكنوا من خداع الآخرين بنوعية لباسهم وبمظهرهم الخارجي المفصل على شاكلتهم ، وقد يكون هؤلاء مثقفين وربما اصحاب رتب اجتماعية او مسؤوليات معينة ، وبمثل هذه التصرفات تراهم يسيطرون في الديوان وفي مجالس الرجال في كثير من الاحيان لطلاقة لسانهم وطريقة حديثهم التي توحي بامور ايجابية ، الا انه سرعان ما تنجلي الامور وتنقشع الغمامة عن عيون الحاضرين او السامعين ، وتظهر حقيقة الامر في امثال هؤلاء بانها عكس مظهرهم تماما ، وان كل ما رأيناه وسمعناه بعيد جدا عن شاكلتهم الخارجية وعن منظرهم الذي قد يكون مزيفا بعيدا عن تجانس اقوالهم وافعالهم مع  منظرهم الخارجي .
  عندها يجب على المرء التفرس جيدا وعدم اصدار الحكم الشخصي او القرار الذاتي بشأن مثل هؤلاء الا بعد تفكير عميق ، وبعد دراية جيدة كي لا ينخدع المرء بمثل هذه المناظر الزائفة .
 وفي ناحية اخرى قد يرقب المرء انسانا بسيطا ، عاقلا لا يمتلك من الحسن كثيرا ، غير براق بملابسه او بطلعته ، انسانا على قده ، ثيابه متواضعة ، كلامه موزون ولهجته لطيفة لينة ، يدخل عراك الحديث باسلوب ادبي مؤثر ، يتحدث بصدق وباستقامة وعلى السليقة ، يتفوه بكلمات وبعبارات انسانية نابعة من القلب ، وصادرة عن ايمان بما يقول ، تراه يعبر بكل جوارحه عن صدق موقفه ويدافع بشكل صريح موضوعي وبصدق ، دون التعرض للغير ، يعرف حدود الحديث وادائه ، نوعية حديثه وطريقته تنم عن استقامة وعن هدف سليم ، لا يستغيب احدا ولا يحاول كيل القدح او المدح لفلان او لعلان ، بل تراه مستقرا ، قانعا ، راضيا بما يقول وبلهجة مقبولة ، يعرض رأيه بصدق دون هدف لكسب مادي او لخدمة غاية رخيصة ، يقول الامور على اصولها من خلال مبدأ انساني ، لا ينحرف في الحديث ارضاء لاحد ، انما يصور الامور تماما كما هي ، وقد يعجب الكثيرين ويدعموه في رأيه رغم منظره ورغم تواضعه الا انه لا يمتلك امكانية السيطرة كهؤلاء المستأجرين الذين يؤدون دورهم غير الحقيقي لاهداف خاصة بهم ، وفي النهاية تنجلي الامور وتظهر الحقيقة كما هي وقد يكون هذا المرء صاحب المنظر المتواضع الواقعي الانساني هو الصادق والحقيقة بجانبه ، ويدرك ذلك الناس والحاضرون ، ولكن ربما يكونون متأخرين في ذلك .
 وعليه فينبغي على الانسان ايا كان وفي اي مكان الا ينخدع بالمناظر والمظاهر لانها كثيرا ما تكون مزيفة وحقيقتها عكس منظرها ، لان في ذلك خطرًا على المرء نفسه وعلى من حوله ، وقد تنعكس النتائج سلبيا على المجتمع فيما بعد ، فيجب التروّي والاتزان وعدم الاندفاع والتهور والتسرع وخاصة في مواقف الرجال ، ففي كل حين وفي كل آن ومكان محاضر الرجال هي الاساس لا مناظرهم .

 


(ابو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إلى أهلنا في أبو سنان

featured

حصاد العدوان على غزة: كسر قيود الاحتلال وبناء سياسي وكفاحي جديد

featured

الموقف الأمريكي المستفز

featured

وترجل الفارس احمد سعد

featured

لمصلحة من تصريحات مشعل في القطاع؟

featured

خطاب لا يليق بـ"الميدان" ولا بنا

featured

الطبقات والصراع الطبقي (5)