حصاد العدوان على غزة: كسر قيود الاحتلال وبناء سياسي وكفاحي جديد

single

اليوم، الذكرى الخامسة والعشرين لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الاولى المجيدة – الصورة من غزة، 1988

 

*المدخل لانقاذ المشروع الوطني وإعادة بنائه وانهاء حالة الانقسام والتيه يتمثل في ادراك ضرورة واهمية التمسك بهذا النظام وحمايته بوصفه الكيان الوطني التحرري الذي يمثل مظلة الجميع ويتأسس على مبدأ توسيع وتعميق المشاركة الوطنية وفق برنامج نضالي تحرري وديموقراطي ناجز*

 

صمدت غزة، وقاومت وأرغمت العدو الاسرائيلي علي التراجع، فبعد ثمانية أيام من العدوان الصهيوني المتواصل، استطاعت غزة بصمود اهلها وسواعد مقاوميها ان تفرض على العدو شروطاً للتهدئة.. وخرجت المقاومة الفلسطينية من المعركة التي بدأها الاحتلال بوضع افضل مما كانت عليه قبل أن تدخلها، ونجحت في كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، الذي قارب سبع سنوات، والتزمت دولة الاحتلال بأن تكف عن أعمالها العدوانية ضد القطاع، وبضمنها وقف الاغتيالات.. وكان لافتاً أن بنود الاتفاق لم تشر الى مسألة "وقف نقل الاسلحة الى القطاع" ما يدل على أن الاحتلال فشل في تحقيق كامل أهدافه.
لقد نجحت إسرائيل جراء حربها على غزة في تعزيز صورتها لدى الرأي العام الاقليمي والعالمي كدولة دموية ومارقة متحللة من الضوابط الانسانية.. فهي أوقفت حربها على قطاع غزة - وربما تعاود العدوان على غزة والضفة لحيثيات محلية واقليمية – لاعتبارات كثيرة منها أنه لا المقاومة، ولا جماهير غزة، خرجت رافعةً الراية البيضاء وذلك، على الرغم من أكثر من ثمانية أيام من القصف المتواصل المعزز بالحصار الشامل.
لقد أوقفت اسرائيل حربها على الشعب الفلسطيني في غزة من دون أن تكون قادرة على الادعاء أنها حققت كامل أهدافها السياسية والعسكرية، وبخلاف ما أرادت إسرائيل فإن مكانة المقاومة تعززت.
وبتعبير آخر، لم تنجح اسرائيل في تسويق حربها على غزة كحرب ضد "الارهاب". بل اتضح للجميع إنما تقوم به اسرائيل من مجازر ضد المدنيين، ومن تدمير هائل للبنى التحتية والذي طال المستشفيات والجامعات والمدارس والبيوت السكنية والمرافق الخدماتية المختلفة، هو الارهاب بعينه.

 

 

*عدم اختزال العدوان الى مجرد الاغائة الانسانية*

 

ان ما جرى ويجري من تحركات سياسية ودبلوماسية بعد العدوان، يختزل القضية الى قضية انسانية (ادخال المساعدات الطبية، والغذائية، وما اليها.. ) بتعبير آخر، يجري القفز عن جوهر القضية المتمثل في الاحتلال و الاستيطان وبناء جدران الفصل العنصري والحصار، وفي استمرار التنكر لحقوق الشعب الوطنية والتاريخية المشروعة.
وفي السياق نفسه، يجري التركيز على المأساة التي حلت بقطاع غزة نتيجة العدوان، والحث على تقديم المعونات الخيرية، والحاجة الى إعادة تعميره بمعزل عن معالجة القضية الوطنية.. وربط العدوان ونتائجه، بإنهاء الاحتلال والسيطرة الاسرائيلية الكولونيالية على قطاع غزة والضفة ومدينة القدس، وضرورة طرح مسألة انهاء الفصل الجغرافي بين غزة والضفة، وذلك من خلال توفير ممر اقليمي وإزالة جدار الفصل العنصري وتفكيك المستوطنات.
كما انه من الضروري تسيييس موضوع التهدئة، وذلك عبر ربط التهدئة بشروط سياسية تأخذ بعين الاعتبار استحقاق يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني، يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني المتزامن مع المعركة الدبلوماسية التي تديرها قيادة (م.ت.ف) لانتزاع مقعد الدولة (غير العضو) في الجمعية العامة للامم المتحدة ومؤسساتها.
بالاضافة الى ذلك هناك اهمية سياسية خاصة لان تستخدم التهدئة مدخلا لتقوية الترابط بين الضفة وغزة والقدس باعتبارهم مرتكز اقامة الدولة وعنوانها الذي سيجسد حق تقرير المصير والاستقلال الناجز، ليس عبر فتح المعابر فحسب، بل ايضا عبر إرغام اسرائيل على وقف استباحة الارض والانسان في جميع الاراضي المحتلة.
ليس هناك ما يمنع، فلسطينيا وعربيا ودوليا، من القيام بحملة سياسية وقانونية ودبلوماسية من اجل فوز فلسطين بمقعد الدولة المراقبة في الامم المتحدة وبالتالي تحميل اسرائيل والولايات المتحدة كامل المسؤولية عما تسببا به من تدمير وقتل وإعاقات لمئات الالاف من الفلسطينيين، فضلا عن تاريخهما الطويل في الحروب ضد الشعوب العربية. لقد اعتاد المجتمع الغربي على تحميل دافعي الضرائب تكلفة اعادة إعمار ما يدمره الجيش الاسرائيلي، والتغاضي بالوقت نفسه عما يقترفه من جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.

 

 

• أهمية اعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني*

 

لن تستقيم المصالحة الوطنية اذا لم يتم ارساؤها على اساس سياسي لا لبس فيه. فالاتفاق الوطني على استراتيجية موحدة للمقاومة والمفاوضات هو الذي يحمي القيادة السياسية من تهمة الارتهان لقوى اقليمية لها اجندتها ومصالحها الخاصة، كما يمنع ذلك من انشاء اجهزة أمنية قامعة للحريات العامة والتعددية السياسية والفكرية والثقافية.
اذن، يترتب على وضوح الاساس السياسي للمصالحة التغييرات في بنية الهيئات السياسية الوطنية، بدأً من بنية السلطة وانتهاءً بمؤسسات (م.ت.ف)، اذ لم يعد مفهوماً ترك مؤسسات السلطة تعمل بالطريقة نفسها وبالاجندات ذاتها وبالاعتماد المطلق على الريع الخارجي للدول المانحة، و ما يحمله ذلك من شروط واشتراطات.
ما يحتاج اليه المواطن هو حكومة واحدة تعمل في الضفة وغزة باشراف مرجعية سياسية واحدة هي (م.ت.ف) – بعد اصلاحها واعادة بناء وتفعيل مؤسساتها – وتعنى برعاية المصالح الحياتية المباشرة للجماهير في الضفة وغزة والقدس، وتكون حكومة ذات بنية تقشفية من دون امتيازات و محاباة فئوية، وفساد ومفسدين، فهذا من شأنه ان يرسي المصالحة والوحدة الوطنية على قاعدة تحظى بشعبية وتأييد وثقة وطنية موحدة.
وتتمثل المهمة المباشرة امام القوى السياسية الفلسطينية – الوطنية والعلمانية والدينية – في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على اسس وطنية دمقراطية، وذلك لمواجهة الممارسات الصهيونية العنصرية القائمة على حشر الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة في معازل مقطعة الاوصال، وعلى تكريس الفصل بين الضفة وغزة وعزل القدس عن كليهما.
من المؤكد أن اسرائيل ستواصل نهج التمييز العنصري ضد سكان فلسطين الاصليين (الاقلية الفلسطينية داخل الخط الاخضر)، والاصرار على تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في الشتات، كما ستواصل العمل بالوسائل كلها التي في حيازتها، وعلى رأسها القوة العسكرية الفاشية، لايصال الشعب الفلسطيني الى حالة من التسليم "بالهزيمة".
من هنا حاجة الشعب الى قيادة موحدة و مؤسسات وطنية جامعة لاحباط المساعي الاسرائيلية هذه، ومن ثم توليد قناعة بأنه لا بديل عن نهج عماده المقاومة بكل اشكالها، وبأنه لا خيار سوى مواصلة الكفاح من أجل نيل الحرية و احباط سياسة الاحتلال الاستيطانية ونظام الابرتايد.
لكن افشال الممارسات الصهيونية بعد اتساع نفوذ اليمين، وانزياح المجتمع الاسرائيلي نحو المزيد من العنصرية والتطرف، لن يكون نزهة سهلة في ظل استمرار تفرد اي تنظيم في السيطرة على مقدرات النظام السياسي الفلسطيني، أو اعتماد التفرد في تشكيل المرجعية الوطنية، ومحاولة تعطيل عملية اصلاح وتجديد مؤسسات(م.ت.ف).
ولا بأس من تكرار القول إن أي محاولة للاستحواذ على التمثيل الفلسطيني، أو في تقرير سياسات وتوجهات تمس المصير والمستقبل الوطني، سيكون من نتائجه المباشرة تعميق الانقسام السياسي و الجغرافي وتدمير المشروع الوطني، وهذا أكبر خدمة للسياسة الاسرائيلية القائمة على (كي الوعي الفلسطيني واقناع الشعب بأنه مهزوم) حسب تصريح الجنرال موشيه يعلون رئيس اركان جيش الاحتلال الأسبق الذي نجح على قائمة الليكود في انتخابات الكنيست الاخيرة.
لذلك كله، لا بد من ادراك ان اي اضعاف او الغاء لاي من مكونات النظام السياسي هو اضعاف للنظام برمته وجعله عرضة للمزيد من الانكشاف والتهميش، وهذا أمر لمسنا نتائجه المأساوية وطنيا وسياسيا في الاعوام الاخيرة، ويكفي ان نلحظ كيف انتقل ميدان مناقشة الشؤون الفلسطينية الوطنية (ملف المفاوضات، المقاومة، الانتخابات، تشكيل الهيئات الوطنية، قضايا الاصلاح والفساد، الميزانيات، دور الاجهزة الامنية، وغيرها..) الى العواصم العربية والاقليمية والهيئات الدولية، والى الفضائيات الاعلامية، بتعبير آخر، بات النظام السياسي الفلسطيني يعيش اشد حالات الانكشاف وفقدان الوزن منذ تشكله في بداية سبعينيات القرن الماضي، وبالتالي لم يعد ممكنا اعادة وحدة وتماسك هذا النظام من دون معالجة الشرخ الجيو- سياسي الذي بات ينخر مركز هذا النظام.
بغير هذه المعالجة لن تكون القوى الفلسطينية السياسية قادرة على اداء دورها بالكامل في احباط السياسة الاسرائيلية سواء تلك المتمثلة في اقامة (كيان البنتوستانات) تحت مسمى حل الدولتين، أم التحضير لمشروع الادارة الثلاثية المصرية - الاردنية - الاسرائيلية للاراضي الفلسطينية، ام مواصلة تغيير الواقع الديموغرافي في فلسطين التاريخية.
خلاصة القول  إن المدخل لانقاذ المشروع الوطني وإعادة بنائه وانهاء حالة الانقسام والتيه يتمثل في ادراك ضرورة واهمية التمسك بهذا النظام وحمايته بوصفه الكيان الوطني التحرري الذي يمثل مظلة الجميع ويتأسس على مبدأ توسيع وتعميق المشاركة الوطنية وفق برنامج نضالي تحرري وديموقراطي ناجز.
فإما ان يكون هناك نظام وطني يتسع لجميع مكونات الطيف السياسي والايديولوجي في إطار مؤسسات وطنية جامعة ومنتخبة بإرادة شعبية حرة، وإما ان يتشظى هذا النظام من خلال صاعق الاستقطاب التناحري الداخلي والذي تغذيه التجاذبات الاقليمية والتدخلات الخارجية التي تبعده عن أولية مواصلة الكفاح من اجل انجاز حق العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني فوق التراب الفلسطيني.

 

(كاتب فلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لكم ناصَرتكم وليَ النـاصرَة

featured

الشهداء الأبطال: في ذكرى إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي

featured

هل ثمة امكانية للخروج من الوضع الراهن؟

featured

خطوة في صالح البلدين

featured

وبعض القول تضليل وبهتان

featured

صَبَاحُكَ أَمَانَةٌ يَا زَيْدُ

featured

جنون الجغرافيا وتوحش التاريخ