عندما كان العلماء يقرعون أجراس النذير، والعالم يدخل إلى الألفية الثالثة، كان محور اهتمامهم المُناخ وثقب الأوزون، وما تتعرض له البيئة من انتهاكات، وباختصار كانت المخاوف ذات صلة بالجغرافيا، لكن لم يخطر ببالهم أن التاريخ سيدخل إلى مرحلة من التوحش؛ بحيث يصبح الخطر الداهم هو الإرهاب، واندفاع التطرف إلى أقصاه.
فهل كان الإرهاب مفاجئًا، وبلا مقدمات بحيث يبدو كما لو أنه نبات شيطاني؟
الحقيقة، أن مقدمات هذا التطرف كانت ترشح من شاشات وصحف، لكن بمعزل عن الرصد الجاد، وحين وقعت الفأس في الرأس كان التطرف قد استشرى كوباء، وعبر الحدود ولم يعد موضعيًا كما كان.
ما من ظاهرة سلبية تهدد السلام على هذه الأرض لا يمكن تداركها، ومحاولة إجهاضها قبل أن تتفاقم، لكن الاستخفاف ببعض الظواهر يتيح لها أن تتنامى في الباطن، ولا يطفو منها على السطح إلا البثور المتقيّحة التي سرعان ما تنفجر!
ولو اهتم العلماء والخبراء قبل ثلاثة عقود على الأقل بما كان ينشر ويبث من ثقافة تستهدف الاستعداء وتتأسس على الإقصاء والنبذ لما كانت الحال على ما هي عليه الآن، وقد يكون ما أعقب الحرب الباردة من فراغ فكري وأيديولوجي، إضافة إلى التبشير بالعولمة في أشد أبعادها سلبية أحد أسباب التطرف.
فالقوة الأعظم وهي الولايات المتحدة انصرفت كما يقول هانتنغتون إلى اختراع الأعداء كي لا تعاني بطالة سياسية وعسكرية بعد الحرب الباردة، والعالم الذي سمي الثالث أصاب بوصلته العطب، وانهمك في قضايا تم تصنيعها لتكون بديلًا عن قضايا واقعية ومصيرية.
وهناك خلل يشير إليه بعض الباحثين في الغرب نتج عن ترجيح كفة التكنولوجيا والتصنيع على كفة العلوم الإنسانية، لهذا كانت المفارقة هي تقدم متسارع في العلم، وتقهقر في منظومة المفاهيم والقيم، وبالتالي شيوع العدمية وفقدان الأهداف!