من أجل لجنة تحقيق مستقلة مهنية

single

توجه النائب مسعود غنايم بنداء إلى وزير التربية والتعليم جدعون ساعر، طالبه فيه بالالتزام باتباع معايير موضوعية ومهنية في عملية تعيين المدراء في مدارسنا العربية.
أكد النائب غنايم أن المدراء هم قباطنة سفن التعليم ولذا وجوب ضمان المدير الكفء مهنياً، من شأنه أن يقي من تعثر العملية التربوية ويؤمن إبحاراً سليماً ومعافى.
جاءت مناشدة النائب غنايم على خلفية تواتر الأخبار عن إشكالات في العديد من القرى والمواقع تتعلق بتعيينات خلافية لمدراء في مدارس تلك القرى.
شكونا في الماضي، وما زلنا نشكو، من تدخلات سافرة تمارسها أجهزة السلطة، وفي طليعتها جهاز الأمن العام، مما أدى، أحياناً، إلى فرض إدارات غير مناسبة ومعدومة الكفاءة.
علاوة على ما تسببه عملية المنافسة من خلافات بين المتنافسين على تلك الوظيفة، وما يترتب على هذه الخلافات من تحزبات تترك كثيراً من الضغائن داخل المجتمع الواحد، تؤثر هذه التعيينات على مدارسنا ومستوى إداراتها. فعندما يفرض مدير غير كفء ينعكس هذا سلباً على مجمل العملية التربوية وتنوء تلك المدرسة بعبءِ كعبء من وُلد بالخطيئة.
تصريحات النائب غنايم هامة ومسؤولة، لكنها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. فمنذ عقود نبهت قيادات أحزاب وإدارات مؤسسات مدنية وشعبية إلى هذه الظاهرة، وفي مطلع كل عام دراسي يعيد بعض المسؤولين، من خلال تصريحاتهم، لفت النظر إلى خطورة القضية. تطلق التصريحات والمناشدات، لكن القديم يبقى على قدمه.
لا أعرف إن كان هنالك من ينفي حقيقة تدخل السلطة، وخاصة جهاز الأمن العام، في عملية تعيين المعلمين والمدراء في مدارسنا العربية، لكنني أستعيد وأنا أكتب هذه المقالة حادثة شخصية وقعت معي قبل أكثر من ثلاثين عاماً. في أواخر السبعينات وأنا طالب في كلية الحقوق، سادت في مدارسنا ظاهرة المعلم البديل، فعندما يغيب معلم ما، كانت إدارة المدرسة تستدعي بديلاً من قائمة زودت بها الإدارة مسبقاً. استدعيتُ بضع مرات إلى المدرسة الابتدائية في كفرياسيف لأعلم التاريخ واللغة العربية. بعد فترة ليست طويلة توقفت المدرسة عن استدعائي. لم أخسر سوى فرصة كنت أستغلها، غير ملتزم بما أملاه كتاب التاريخ الذي خصص في حينه نصف صفحة عن ثورة أكتوبر مقابل عشرات الصفحات عن تاريخ الحركة الصهيونية، مغفلاً تواريخ آثرت الحديث عنها بحرية ودونما قيود. فكطالب جامعي وددت أن يسمع"طلابي" ولو نذر عن فلسطين وجمال عبد الناصر مثلاً.
دارت الأيام، كما تقول اللغة، وبدأت أعمل كطالب حقوق في مكتب محام صديق، قبلني لديه بالرغم من عدم التزامي بساعات الدوام. في أحد الأيام استدعاني هذا المحامي/المعلم ودفع بين يدي بضع ملفات ملأى بالوثائق. طلب أن أقرأها وأصنفها وأعيدها له. كانت قضية شاب عربي عمل في وظيفة مرموقة في وزارة التربية والتعليم. كان مسؤولاً عن القوى البشرية، أي عن المعلمين والموظفين في جميع المدارس العربية. قررت الوزارة استبعاده عن الوظيفة وجاء للمحامي طالباً الدفاع عنه مدّعياً أن المسؤولين في الوزارة يتنقمون منه لأنه توقف عن تنفيذ أوامر رجال أمن الوزارة الذين يتدخلون في كل كبيرة وصغيرة تخص العاملين. قرأت مئات من المذكرات الداخلية. إلى أن وصلت إلى مذكرة مرسلة من فلان إلى علان، موضوعها، جواد جبران بولس. يأمر كاتب المذكرة بوجوب إيقاف المذكور عن العمل كمعلم بديل في مدرسة كفرياسيف الابتدائية وذلك لدواعي الأمن! قفزت إلى الغرفة المجاورة، قاطعت الموظف صائحا: "يا رجل لقد كنت وراء إيقافي عن العمل". تمتم بصوت خفيض دون أن ينظر إلي:  "لقد كنت واحداً من مئات يا جواد". نعم، كنت واحداً. فالملفات احتوت على مئات من هذه المذكرات التي كانت كافية لقطع أرزاق من لم يكن التعليم بالنسبة لهم بديلاً ومؤقتاً، بل كان مصدر عيش وعمل.
أعرف، أيها القارئ، أني لم أجدد لكثيرين معلومة أو حقيقة. فضحايا هذه السياسة يملأون قرانا، وقصصهم، من شأنها، لو دونت، أن تملأ كتباً على كتب. سردتُ ما سردت لأؤكد أن القديم على قدمه وأؤكد أن التصريحات والمناشدات لم تكن كافية، فما زلنا نعاني من هذه السياسات وما زال مجتمعنا يدفع فواتيرها ويبقى السؤال ما العمل؟
 أعتقد أننا نستطيع تغيير الوضع القائم، على الأقل في مدارسنا الثانوية. مجالسنا المحلية وبلدياتنا هي المسؤولة المباشرة عن هذه المدارس، وهنا نستطيع أن نكون رواد التغيير المنشود. هنا نستطيع أن نضمن أن يكون الشخص المناسب والكفء في المكان المناسب، فتأثير السلطة محدود ومن الممكن تحييده بشكل تام، هذا إذا كانت هذه السلطة المحلية معنية بهذا وقادرة عليه.
المصيبة أن العديد من إدارات المجالس المحلية والبلدية تمارس سياسة السلطة ذاتها. بعض الرؤساء والإدارات لا يقوون على معارضة إملاءات أسيادهم. وبعضهم ونتيجة لتنفيذ سياسات أسيادهم في ميادين أهم وأخطر، يكافأون بصمت هؤلاء بتمرير قراراتهم غير النزيهة وغير المنصفة. ففي كثير من البلدات يعين غير الأكفاء في مناصب التعليم والإدارة كاستحقاقات لصفقات انتخابية أو علاقات عائلية لا تمت لضرورات الوظيفة والمصلحة العامة والإدارة السليمة بأية صلة.
وبما أن القديم ما زال على قدمه، وإن تعددت الوسائل وبعضها استبدل بصناعات محلية، تبقى النتائج واحدة والخراب واحد. وبما أننا نسمع وفي مطلع كل عام دراسي أصوات كتلك التي أطلقها النائب غنايم وهي أصوات مباركة لكنها غير كافية، أنادي أن تقوم مؤسساتنا القيادية بالمبادرة إلى تشكيل لجنة تحقيق مخولة بدراسة وفحص قضية تعيينات المدراء والمعلمين في المدارس الثانوية. تستطيع لجنة متابعة قضايا التعليم أن تكون الجسم المسؤول والحاوية المناسبة لمثل هذه المبادرة. لجنة تحقيق مستقلة تضم كفاءات وخبرات في هذا المجال، من شأنها، بعد وضع المعايير المهنية والموضوعية، أن تضع تقريراً شاملاً يخلص إلى توصيات ونتائج هامة. إن موافقة لجنة المتابعة العليا واللجنة العليا للرؤساء وتقديمها الدعم لهذه المبادرة من شأنه أن يضفي عليها شرعية ويسهل عملها المهني والموضوعي. تقرير هذه اللجنة سيكون سابقة هامة من جهة، وسيشكل أداة كاشفة وضاغطة ومصححة للوضع السيئ القائم، من جهة أخرى.
لا عائق ولا إشكال أمام تشكيل لجنة التحقيق المقترحة إلا إذا تردد من تردد وخاف من خاف وتوجس من توجس، إلى حينه الشجب والاستنكار والمطالبة لن تكفي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

التحديات وافاق تحقيق المساواة والمواطنة للمرأة

featured

حديث الصور والمرايا

featured

الخليل بكل معالمها فلسطينية

featured

كفرياسيف تفجع بأحد رموزها الوطنية القس شحادة شحادة

featured

الراحل الباقي محمد محمود طه

featured

تسالي الانتخابات

featured

معا نحن قادرون على صد الفاشية

featured

"لا يحمي الدار الا اهلها"