تسالي الانتخابات

single

*إرجاء تشكيل مجلس وطني جديد يجسّد نتائج التطورات التي عصفت بالفلسطينيين منذ التوقيع على اتفاق أوسلو هو قصورٌ خطير، وهو يؤشر إلى هذا الذي هو أخطر، أي إلى ما عناه تعطيلُ دور المؤسسات الوطنية وإيلاء المسؤوليات إلى أمزجة أفراد بعينهم ونزواتهم ورؤيتهم الخاصة للأمور*


أحمل لقب عضو المجلس الوطني الفلسطيني منذ سنين كدتُ أنسى، أنا نفسي، عددها. وهذا هو اللقب الوحيد الذي يَصْعبُ أن أتخلّى عنه إن شئتُ التحرّر منه. فالاستقالة من العضوية تُقدَّم للمجلس ذاته، والمجلس هو الجهة الوحيدة التي تملك حق قبولها. وما دام أن هذا المجلس لم يَعقِدْ أي دورة عمل منذ العام 1996 ولا يظهر أنه سيعقدها، فليس هناك مرجع يلجأ إليه الراغب في إلغاء عضويته. ولستُ أستبعد أن يبلغ عمري أجله قبل أن تنعقد أيّ دورة.
أقول هذا في مناسبة الحكي الدائر على ربط عقد المجلس بإجراء انتخابات عامة مباشرة لاختيار أعضائه. فهذا الربط يُشكّل آخر ابتكار اهتدى إليه الساعون منذ 1996 إلى تعطيل عقد دورة جديدة. ولئن أمكن أن نحزر دوافع كثيرين من هؤلاء المعطِّلين، فإن لرئيس المجلس ونائب الرئيس وأمين السّر دافعًا يكاد يكون سافرًا: ضمان البقاء في مناصبهم والتمتع بامتيازاتها ما داموا على قيد الحياة، ولا يهمّ بعد هذا أن يقع الطوفان وهم أحياء أو في وقت لاحق.
يقولون بالعامية "تسالي يا بزر"! والحديث عن الانتخابات هو هذه التسالي التي تصرف الانتباه عن ضرورة تشكيل المجلس الجديد بالأسلوب المعتمد في تجديده، أي بالمزج بين الانتخابات العامة المباشرة حين يمكن إجراؤها وبين الانتخابات الخاصة غير المباشرة أو التوافق حين يتعذر إجراء انتخابات عامة مباشرة.
رهن تجديد المجلس بإجراء انتخابات هو وصفةٌ مضمونة للحيلولة دون تجديده. وها هم الذين استخدمهم رئيس المجلس للبحث في مسألة إجراء الانتخابات قد واجهوا الحقائق التي يعرفها الصغير والكبير، الجاهل وغير الجاهل: لا مجال لإجراء انتخابات عامة في بلدان الشتات؛ إجراؤها في الأردن استبعده هؤلاء أنفسهم بأنفسهم منعًا للحساسيات التي يقولون إنها معروفة؛ إجراؤها في دول الخليج، السعودية وغيرها، مستبعد هو الآخر لحساسيات من نوع آخر، فسلطات هذه الدول لا تبيح لمواطنيها أن ينتخبوا ممثليهم بحرية، فكيف تبيح هذا للوافدين إليها من الفلسطينيين؛ إجراؤها في لبنان، أو في سورية، أو في العراق، أو في مصر، أو في ليبيا، أو في تونس، أو في المغرب، تقوم في وجهه عقباتٌ بعضها أمني وبعضها لوجيستي، وكثير منها عقبات يتجنب المعيقون توصيفها.
وإذًا، فهي "تسالي يا بزر"، ولتعش يا كديش إلى أن ينبت حشيش ديمقراطية صناديق الاقتراع في بلاد العرب جميعها وتنشأ فيها سلطات تحترم حقوق مواطنيها والوافدين إليها في اختيار ممثليهم بحرية!
مواثيق منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصًا نظامها الأساسي وأنظمة تشكيل المجلس الوطني، هذه التي أخشى أن يكون أعضاء مكتب المجلس قد نسوها، تُحدِّد آلية اختيار أعضاء هذا المجلس. وهي تنص على مبدأ الانتخاب، لكنها لا تُرجئ فرصة تشكيل المجلس إلى أن ينبت أيّ حشيش، بل تبيح استخدام آليات مرنة حيث يتعذّر إجراء انتخابات عامة مباشرة.
الفرصة الوحيدة التي أتيحت لاختيار عدد من الأعضاء، وليس الأعضاء كلهم، وليس حتى أكثرهم، بالانتخاب العام المباشر كانت تلك التي توفرت حين تقرر اعتبار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخبين أعضاء طبيعيين في المجلس الوطني. حتى في هذه الحالة، احتاج الأمر إلى أن يُستكمل تمثيل فلسطينيِّي الأرض المحتلة بعدد من الأعضاء تتمّ تسميتهم وفق آليات التوافق، لأن عدد أعضاء التشريعي المنتخبين لم يفِ بالغرض. وعلى ضآلة مساهمتها في تشكيل بنية المجلس، فإن هذه الفرصة قد لا تتكرر؛ فتكرارها ظل على الدوام مرهونا بموافقة إسرائيل وصار منذ الانقسام مرهونا بموافقة "حماس" أيضًا، على إجراء انتخابات. أي أن إجراء انتخابات عامة مباشرة في  الأرض المحتلة مرهون بموافقة طرف معادٍ لشعب فلسطين وطرف آخر أقل ما يوصف به أنه غير معني بنهوض المنظمة.
قلتُ مرة لرئيس المجلس الوطني أمام جمهور كبير قولا أزعجه. وها أنذا أكرر، هنا، هذا الذي قلته وكررته مرارًا: لقد أكل الدهر وشرب وتجشأ على معظم أعضاء المجلس، ودخلت إلى ساحة العمل الوطني منذ تشكيل المجلس الأخير المنتهية صلاحيته أفواج شابّة يقترب بعضها الآن من الكهولة دون أن يكون لها ممثلون في هذا المجلس. ولأن إصلاح المجلس الوطني هو المدخل لإصلاح م.ت.ف. أي لإصلاح الوضع الفلسطيني كلّه، فمن المنطقي تلبية الحاجة إلى تشكيل مجلس جديد في أسرع وقت.
التعلل بضرورة إجراء انتخابات فيما إجراؤها متعذر في أغلب مناطق التجمع الفلسطيني صار وسيلة للتنصُّل من متطلبات الإصلاح. وهذا هو ما يستند إليه المعيقون الذين يعلمون أن الإصلاح سوف يجرف ما يتشبثون به من منافع شخصية. فهل سيستمر التعلّل بهذا الذي لا يتحقق وقد لا يتحقق في المدى المنظور؟ السؤال موجه إلى من يعنيهم أمر الإصلاح، خصوصا أولئك منهم الذين يملأون الجوّ بصخب حكيهم على تأخر الإصلاح وإلقاء تبعية هذا التأخر على سواهم.
إرجاء تشكيل مجلس جديد يجسّد نتائج التطورات التي عصفت بالفلسطينيين منذ التوقيع على اتفاق أوسلو هو قصورٌ خطير، وهو يؤشر إلى هذا الذي هو أخطر، أي إلى ما عناه تعطيلُ دور المؤسسات الوطنية وإيلاء المسؤوليات إلى أمزجة أفراد بعينهم ونزواتهم ورؤيتهم الخاصة للأمور، الإيلاء الذي تفاقمت مضارّه ولم يستفد منه إلا الذين لا تُرجى منهم فائدة لشعبهم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جبهة الناصرة، تنظيم نختلف معه لا عليه

featured

لإسقاط خطر التجريم السياسي

featured

فعلها مرّة أخرى

featured

واشنطن والمجازفة بسيناريو "مرعب" في سوريا..

featured

نتنياهومان.. أو ليبرمَانْياهو

featured

مبادرة مباركة يا ناصرة الوحدة الوطنية !

featured

أنصِفوا المعلمين وارفعوا أجورهم!

featured

كهنة الكذب، يسمح للحمار ان يرفس