هل ثمة امكانية للخروج من الوضع الراهن؟

single

يجب تغيير هذا الواقع الاحتلالي المهين البشع!


*-ليس صحيحا أن مقومات بناء الدولة هي ادارية ومؤسساتية فقط وإنما هي عناوين نضالية في المفاوضات وعلى الصعيد الشعبي وعلى الصعيدين العربي والدولي. والمدخل الى ذلك هو صياغة خطة سياسية شاملة تتناول موضوع تجسيد مقومات الدولة على الارض وموضوع المفاوضات وقضايا الوضع النهائي في رزمة واحدة؛ وبما يعني الربط بين مهمة اقامة الدولة ومشروع التحرر الوطني للشعب الفلسطيني بما في ذلك حل قضية اللاجئين وفقا للقرار 194*

لعل السؤال الذي يمتثل امامنا الان بعد اكثر من 42 عاما من الاحتلال والمقاومة والمفاوضات والاتفاقات المنقوصة هو: هل ثمة مخرج من الجمود الحالي ومن الازمة السياسية الراهنة؟

 

نقول ذلك على ضوء سلسلة من التطورات والظواهر ابرزها حالة الانقسام الفلسطيني، ووصول اقصى اليمين المتطرف  لسدة الحكم في اسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، وعدم فعالية الرهان حتى الآن على دور الادارة الامريكية الجديدة بقيادة باراك اوباما يضاف الى ذلك طبعا ظواهر قديمة- حديثة تتمثل في عجز الدور العربي وانكفاء الدور الاوروبي والتحاقه سياسيا بالموقف الامريكي.

 

أمامنا في إسرائيل الان ائتلاف يميني حاكم يفرض شروطه مقابل انقسام فلسطيني وعجز عربي، واعتماد على دور أمريكي لا تبشر ملامحه بشيء مما يتوقعه اصحاب الرهان. هذا هو العنوان العريض للوضع القائم الآن... وهذا يعني بكلمات اخرى ان الصراع في المنطقة وصل الى مرحلة شديدة الحساسية تنذر بتصفية القضية الفلسطينية من خلال تجميدها في وضعها الحالي مع بعض التحسينات الشكلية والرهان على عامل الزمن والتقادم ليفعلا فعلهما في هذا المجال. فالظروف التي ابقت الاحتلال الاسرائيلي 42 عاما، يمكنها من وجهة نظر اليمين الاسرائيلي ان تنجب 42 عاما اخرى! من خلال ما يسمى بالسلام الاقتصادي. ولا شك ان التطورات الحاصلة فيما يتعلق بالموقف من تجميد الاستيطان، تقدِم ما يمكن وصفه اذا ما احسنا النوايا بالسذاجة المفرطة في الموقفين الفلسطيني والعربي.

فقد لاحظنا مثلا من تصريحات بعض المسؤولين العرب وتيار عريض في العالم العربي ، انهم فوجئوا برد الفعل الاسرائيلي الرافض للطلب الامريكي بتجميد الاستيطان بشكل كامل، كخطوة اولى نحو استئناف المفاوضات. وقد فهم من هذه التصريحات والمواقف العربية والفلسطينية انه ليس امام العالم العربي من بدائل لمواجهة الرفض والتعنت الاسرائيلي سوى المراهنة على قيام الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على اسرائيل من الواضح انها لن تحدث ابدا.

وهنا يتوجب القول انه اذا كانت الديبلوماسية الامريكية هي اداة التحرك العربي والفلسطيني فلماذا يترتب على رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ان يتعامل مع العرب، فهو يستطيع ان يتعامل مع - رأس النبع- أي مع الولايات المتحدة وان يتجاهل من تخلى عن دوره ووضعه تحت تصرف الادارة الامريكية.

 

لقد ظهر التراجع الأمريكي في موضوع تجميد الاستيطان بشكل كامل منذ الجولة الأولى للمبعوث الأمريكي جورج ميتشيل عندما وافق على مبدا الاستثناءات واستثناء رياض الاطفال والمباني العامة من مطلب التجميد، وفي جولاته اللاحقة وخلال مفاوضاته مع الإسرائيليين التي أخذت شكل المفاصلة في البازار الشرقي، وافق على المزيد من الاستثناءات والشروط  الإسرائيلية التي وصلت الى ستة استثناءات نقلها الى القيادة الفلسطينية قبيل مغادرته المنطقة مع دعوة الى اللقاء الثلاثي في نيويورك. وكما يعلم الجميع فان تجميد الاستيطان كما يريد نتنياهو سيكون بدون القدس، ومع النموالطبيعي، مع المباني العامة، ومع استكمال 2500 وحدة سكنية استيطانية، ومع بناء 450 وحدة استيطانية جديدة، ولمدة زمنية محدودة. وفي مقابلة مع نتنياهو اجراها مراسل جريدة معاريف الاسرائيلية بمناسبة راس السنة العبرية سأله: اذا ما وافق الفلسطينيون على جميع هذه المطالب فهل ستنسحب اسرائيل الى حدود الرابع من حزيران للعام 1967؟ اجاب نتنياهو ولماذا ننسحب  الى حدود الخط الاخضر فهنالك بدائل اخرى.  

 

نقول انه على الرغم من تجاربنا السلبية مع الادارات الامريكية السابقة، وعلى الرغم من ان تراجع ادارة اوباما كان متوقعا منذ جولة ميتشل الاولى، الا اننا آثرنا موقف الانتظار واغمضنا اعيننا عن  الوقائع حتى بتنا نخشى ان يتحول الامريكيون لممارسة الضغوط علينا وهكذا كان بالفعل بالدعوة للقمة الثلاثية التي انعقدت في نيويورك والتي لا جدوى منها وما كان علينا قبولها. لقد كان القبول الفلسطيني المغطى عربيا لحضور هذه القمة بمثابة تعبير عن فشل إدارة معركة شروط استئناف المفاوضات مع نتنياهو وهذا أمر لا يبشر بالخير.  

لهذا فإننا عندما نتحدث عن المخرج من الوضع الحالي علينا ان نلحظ العقبات التي تعترض ذلك وفي المقدمة منها العقبة الاسرائيلية اي الاحتلال الاسرائيلي، يليها ضعف الأداء الذاتي والتخلي عن المبادرة لصالح حالة من السكون تراهن على الزمن ولا تعمل على الاستفادة منه، وعلى دور امريكي لا نزال ننتظره منذ اكثر من 40 عاما. ويضاف إليهما عوامل الضعف الأخرى المتمثلة في  حالة الانقسام الذاتي والصراع على السلطة.

والشيء نفسه ينطبق ايضا على الموقف من المبادرة العربية. فعلى الرغم من مرور حوالي سبع سنوات على طرح هذه المبادرة، فاننا لم نتقدم خطوة واحدة باتجاه تنفيذها. وهذا ايضا بسبب التعنت الاسرائيلي وعجز الموقف العربي الرسمي الذي أوكل مهمة تنفيذها للوسيط الامريكي. فبينما تعتقد الاطراف العربية ان المبادرة العربية تعكس الحدود الدنيا لما يمكن ان يكون مقبولا كأساس للتسوية ترى اسرائيل انها لا تعكس موازين القوى الحقيقية على الارض وانها تتجاوز القدرات العربية بكثير. لهذا فهي تتصرف بيقين من ان مواقف الدول العربية منها قابلة للتغييروخاضعة للمساومة. ومن هنا مطالبتها الدول العربية بالتطبيع مقدما مقابل وقف جزئي وشكلي ومؤقت للاستيطان.

وإذا ما عدنا مجددا لموضوع الاستيطان بمعناه الشامل وبتجلياته المختلفة- تهويد القدس وعزلها، مصادرات الاراضي، سور العزل العنصري، الطرق الاستيطانية البديلة- الحواجز العسكرية- فانها  استخدمت جميعها طيلة سنوات الاحتلال  كسلاح اسرائيلي اساسي في المواجهة. فالموقف الإسرائيلي من الاستيطان طيلة العقود الماضية وعلى الرغم من تعدد الحكومات الإسرائيلية لم يتغير أو يتبدل ، فجميعها دعمت الاستيطان ورعته ووسعته. لكن الاختلاف بين هذه الحكومات كان يحصل حول علاقة المستوطنات بقضايا الامن والتفاوض، وليس حول اهميتها وضرورتها كتعبير وتجسيد عن جوهر المشروع الصهيوني.

وفي هذا المجال نحن نستغرب من بعض المواقف الفلسطينية التي تقلل من اهمية المطالبة بالوقف الشامل للاستيطان وتعتبره اختصارا للقضية الفلسطينية في موضوع واحد. (تصريحات لخالد مشعل ولعدد من المفكرين القوميين).

 

نحن نرى أن كسر الموقف الاسرائيلي في موضوع الاستيطان يشكل مخرجا استراتيجيا من الازمة الراهنة. فالاستيطان هو اشرس انواع الاحتلال وهو يجسد الاطماع التوسعية والاعتبارات الديمغرافية والامنية والمائية لاسرائيل. لهذا فهي تتمسك به وتدافع عنه حتى النهاية. فتجميد الاستيطان هو خطوة مهمة نحو تفكيكه وانهاء الاحتلال كما ان طرح موضوع التجميد الكامل للاستيطان قبل التفاوض سيساهم في تحديد وتوضيح اربعة ملفات هامة:
أولا:   تحديد مصير عملية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين وكذلك بالنسبة لسوريا.
ثانيا: تحديد طبيعة العلاقات الامريكية الاسرائيلية في ظل ادارة اوباما وازالة الاوهام التي لا تزال عالقة ازاء موقف هذه الادارة- سلبا ام ايجابا-
ثالثا:  ترسيم حدود اسرائيل وتحديد حدودها على خط الرابع من حزيران للعام 1967.
رابعا:  إدخال موضوع الأرض والسيادة  في المفاوضات وهو الموضوع الذي غاب عنها خلال الفترة السابقة.

ان كسر الموقف الاسرائيلي حول الاستيطان منذ الان سيحول دون تقدم اسرائيل الى الخطوة التصعيدية التالية الا وهي مقايضة موضوع المستوطنات بقضايا اللاجئين والقدس والحدود والتطبيع الشامل مع العرب. وبالتالي فان التمسك بموقف تجميد الاستيطان بشكل كامل سيشكل مخرجا من الجمود الراهن وسيحول دون المزيد من التدهور والتآكل في الموقف الفلسطيني، وسيزوده بمرتكز يمكن البناء عليه وتطويره لاحقا.

 

// بعض الاستخلاصات من  المفاوضات السابقة

نحن نرى ان تجربة المفاوضات خلال العام الاخير والسنوات التي سبقته علمتنا ان نستخلص ستة استخلاصات على الاقل نجملها كما يلي:
--  مسار المفاوضات الثنائية المباشرة غير المشروطة بوقف الاستيطان قد استنفذ اغراضه وجنَينا منه مزيدا من العقبات التي تحول دون نجاح هكذا مفاوضات. (كان عدد المستوطنين عند التوقيع على اتفاق اوسلو 116 الف مستوطن والآن لدينا نصف مليون مستوطن، اي ان عدد المستوطنين الذين اضيفوا الى المستوطنات بعد الاتفاق هو اكثر من عددهم قبله.

--  المفاوضات المفتوحة إلى ما شاء الله وغير المحددة زمنيا، هي غير ذات فائدة وإضرارها أكثر من فوائدها، كما أنها أداة بيد الطرف المحتََل ليفرض وقائع جديدة على الأرض.

--  استبدال مفهوم المفاوضات التقليدي والدبلوماسي بمفهوم الاشتباك التفاوضي المبني على خطة تفاوضية واضحة ومشاركة وطنية وعلى تحرك شعبي مساند.

--  الاتفاق مع العرب على آليات موحدة لتنفيذ المبادرة العربية على أن تتبنى الدول العربية موقفا واضحا من مسألتين: التطبيع مع إسرائيل والعلاقة مع الولايات المتحدة، فبدل التجاوب مع الضغوط الأمريكية المرتدة عليهم بسبب تصلب الموقف الإسرائيلي، عليهم نقل القضية إلى محافل دولية أوسع بما فيها مجلس الأمن، إضافة إلى اتخاذ خطوات تفند الادعاءات بان العرب يخشون إيران أكثر من الاستيطان.

 -- إعادة الاعتبار لمفهوم ارتباط موضوع الأمن الإسرائيلي بالولاية الجغرافية وليس بحسن السلوك الفلسطيني وفق الشروط والمتطلبات الإسرائيلية التوسعية . فالجدار ونظام الحواجز العسكرية المكثف على سبيل المثال – الذي تفرضه إسرائيل بدعوى الأمن، هو نظام ذو أبعاد إستراتيجية يهدف إلى رسم الحدود الإقليمية على الأرض وفرض السيطرة والحصار على شعب بأكمله.

--  التوقف عن اعتماد المفاوضات كخطة إستراتيجية وحيدة ، وصياغة موقف يعتمد المفاوضات كجزء من خطة سياسية شاملة تنطوي على مجموعة من الخيارات السياسية الأخرى.

لقد أثبتت التجربة السابقة بعد وقبل مؤتمر انابوليس أنه لا يمكن وقف الاستيطان وإجراءات التهويد من خلال المفاوضات وأن الوقت قد حان للمراجعة ولوقفة مع الذات طال انتظارها من أجل الخروج بالاستنتاجات المطلوبة.

وهذه الدعوة إلى المراجعة تنسحب أيضا على الذين استخدموا شعار المقاومة من اجل تحقيق أهداف داخلية ولغرض الصراع على السلطة وللسيطرة على جزء منها. فإذا كانت سياسة الركون إلى المفاوضات والدور الأمريكي لوحدهما قد شكلتا خللا، فان الضرب بعرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية وبالمجتمع الدولي قد شكلا خللا أكبر.  كما أن عدم امتلاك برنامج يمكّن أصحابه من التعامل مع المعطيات الدولية، يعني من الناحية العملية العزلة الشاملة والانهيار التدريجي مع الزمن.

انطلاقا من ذلك يبدو أن الوقت قد حان من اجل تحديد مكانة غزة في النضال الوطني الفلسطيني، وهل تستطيع غزة حمل المشروع الوطني بمجمله؟ وماذا نريد من قطاع غزة؟ هل نريده منصة

لإطلاق الصواريخ وحقلا لرماية الجيش الاسرائيلي وسجنا كبيراَ! أم نريده منطقة نبني فيها نموذجا لما هو قادم!

ومن الاستخلاصات المهمة وخاصة بعد فك الارتباط في غزة وشن الحرب العدوانية عليها، أن لا أحد يملك الحق أن يدفع الشعب نحو خيارات قتالية دون اعتبار للكلفة المحتملة أو للانجاز المتوقع. وبالنتيجة فاننا نتسائل عن الجدوى من التفرد في حكم غزة بثمن فرض العزلة والحصار وهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، وهل هذا بالفعل ما تريده حركة حماس أم أنها انزلقت (بارادتها أو رغما عنها ) نحو هذا الفخ المحكم!

نحن لا نريد البحث في اسباب الانقسام الفلسطيني أو توجيه اللوم للضحية، لكننا نقول بأن المسؤولية الوطنية تقتضي انهاء هذا الانقسام على أساس صيغة تكاملية تجمع بين سلطة تحكم ومعترف بها عربيا ودوليا ولا تسيطر على غزة، وبين حركة تسيطر على غزة ولا يتعامل معها المجتمع الدولي ومعظم الدول العربية وتخضع للحصار.
   نقول ذلك لأن برنامج نتنياهو يمكن أن يمر أيضا من خلال الانقسام الفلسطيني، الذي سيعمل على تعميقه ومن خلال ما يسميه الشريك الضعيف(أي السلطة الوطنية) والطرف الارهابي(أي حماس).

 

// الدولة قادمة على الطريق

الدولة قادمة على الطريق، أو مشروع الدولة النامية، هذا هو الانطباع الذي ينشأ عن البرنامج الذي أعلنه مؤخرا رئيس الوزراء د. سلام فياض؛ وهو برنامج يسير في الاتجاه الصحيح من حيث  يحاول الإمساك بزمام المبادرة ورفض تكريس الوضع القائم واستمرار المرحلة الانتقالية الى الأبد. كما يحاول مواجهة سياسة فرض الوقائع التي تمارسها اسرائيل بفرض وقائع من الجانب الفلسطيني.

لكن هذا البرنامج لم يعالج مسالة أن الاحتلال العسكري والاستيطاني الاسرائيلي هو العقبة الاساسية التي تحول دون اقامة الدولة الفلسطينية ولا يضع الحلول لمواجهة ذلك، ويغفل ان خطة بناء وتطوير مؤسسات الدولة خلال عامين يتطلب خطة سياسية شاملة تتبناها منظمة التحرير الفلسطينية وتشكل مرجعية لها، كما يغفل هذا البرنامج العلاقة بين اقامة الدولة ومفاوضات الحل النهائي وان أسباب الخلل في الوضع الفلسطيني الراهن هي في الظروف والمؤثرات المحيطة. وبالتالي فانه في ظل غياب خطة سياسية واضحة وجهد عربي ودولي ضاغط ونضال شعبي واسع ضد الاستيطان والاحتلال، فان هذا البرنامج لن يتحقق لا في عامين ولا في عشرة أعوام.

ليس صحيحا أن مقومات بناء الدولة هي ادارية ومؤسساتية فقط وإنما هي عناوين نضالية في المفاوضات وعلى الصعيد الشعبي وعلى الصعيدين العربي والدولي. والمدخل الى ذلك هو صياغة خطة سياسية شاملة تتناول موضوع تجسيد مقومات الدولة على الارض وموضوع المفاوضات وقضايا الوضع النهائي في رزمة واحدة؛ وبما يعني الربط بين مهمة اقامة الدولة ومشروع التحرر الوطني للشعب الفلسطيني بما في ذلك حل قضية اللاجئين وفقا للقرار 194.

علينا ألا نعالج موضوع الدولة وكأنها مجرد إعلان أو إقامة مؤسسات، أو التفاوض حول مضمونها كما يريد نتنياهو، فالتفاوض يجب أن يكون حول تصفية الاحتلال نهائيا عن الارض الفلسطينية المحتلة وهذا يعني تفاوضيا البدء بتحديد حدود الدولة على خط الرابع من حزيران عام 1967، وفي هذه الحالة فان موضوعات الحل النهائي ستتحول تلقائيا الى شأن سيادي فلسطيني وشكل من أشكال ممارسة السيادة الفلسطينية الفعلية على الحدود والمياه واستيعاب مهجري العام 1967 تمهيدا للانتقال الى حل قضية اللاجئين.

وعلى هذا الأساس فان القضايا الثلاث الرئيسة 1- تحديد حدود الدولة وتجسيد مقوماتها وتجديد الاعلان والاعتراف الدولي بها. 2- إنهاء المرحلة الانتقالية (بمعنى اعادة النظر بالاشكال التنظيمية التي افرزتها هذه المرحلة واعادة الصلاحيات والمسؤوليات الى م.ت.ف). 3- مفاوضات الوضع النهائي ، يتوجب التعامل معها في إطار خطة واحدة ذات مسارات ثلاثة  في نفس الوقت: مسار ذو طابع استراتيجي يأتي في اطار برنامج سياسي ومشروع وطني لتصفية الاحتلال وبناء الدولة، ومسار تفاوضي يناقش تفاصيل تنفيذ هذه البرنامج ولا يكون بديلا عنها، ومسار ثالث عربي ودولي يؤمن مقومات الدعم والتضامن الخارجي ويوظفها للضغط على اسرائيل في جميع المجالات.(الامم المتحدة، مجلس الامن، محكمة الجنايات الدولية، محكمة العدل الدولية، تمهيدا لفرض المقاطعة وفرض العقوبات) وكذلك العمل على كسب الرأي العام داخل اسرائيل. للدولة الفلسطينية الى مجلس الأمن والى جميع دول العالم والتعامل معنا على هذا الأساس.

من الواضح أن خطة وطنية شاملة من هذا القبيل، ستتضمن الكثير من التفاصيل والخطوات من بينها وجزء منها بناء وتطوير المؤسسات، لكن الاهم من ذلك على سبيل المثال، الاستعداد الفلسطيني للدخول في حالة من التأزيم المحسوب مع اسرائيل، والتحرك على الصعيد العربي من أجل تجديد الاعتراف الجماعي بالدولة الفلسطينية وبحدودها كاملة واتخاذ خطوات عملية وخاصة من جانب الاردن ومصر بترسيم حدودهما رسميا مع الدولة الفلسطينية؛ وكذلك وضع خطة مشتركة لتنفيذ مبادرة السلام العربية حسب اولوياتها الانسحاب الاسرائيلي الشامل أولا ومن ثم التطبيع – كما انه من الضروري ان تتضمن هذه الخطة نقل موضوع تثبيت الاعتراف بالشخصية القانونية والسيادية.

إن من شأن الإتفاق على خطة وطنية شاملة ان يستنهض العامل الشعبي وأن يعزز ثقة الجمهور بالقيادة، وهذا سيمهد الأجواء نحو تدعيم الصمود الوطني وممارسة الضغط الشعبي لإنهاء الإنقسام الداخلي المدمر. وعلى نفس المستوى علينا أن نتجه نحو تعميق المضمون الديمقراطي للمشروع الوطني، بتعزيز الممارسة الديمقراطية واحترام القانون، واستقلال القضاء، وتحريم الإعتقالات السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار وتصحيح الأداء الداخلي، وإعادة الإعتبار لدور منظمة التحرير بإعتبارها القيادة العليا للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد في جميع اماكن تواجده.


// على الصعيد المباشر

يتضح مما تقدم انه ليس هناك من حل سريع أو وراء الباب للقضية الفلسطينية رغم مرور كل هذه السنوات. وأن الإعتقاد بوجود حل سريع كان سببا رئيسا من أسباب الإرتباك في الفكر السياسي الفلسطيني وحال دون وضع خطط طويلة الأمد لتحقيق الأهداف الوطنية، فالحديث لم يعد يدور الآن عن " دولة عصابات " يمكن أن تزول بسرعة أو عن قطعان المستوطنين الذين يمكن طردهم بضربة واحدة وإنما عن دولة كبرى تكاد أن تفرخ دولة ثانية في المناطق المحتلة وأن المطلوب هو خطة شاملة لمواجهة ذلك.

نحن الأن أمام خطة ترسيم اسرائيل لحدودها النهائية بالإستيطان وجدار العزل العنصري والحواجز العسكرية داخل الضفة الغربية، وتحويل الإتفاقات الإنتقالية مع بعض التحسينات الى حل نهائي وفرض ذلك مع تقادم الوقت وبالقوة العسكرية، أي تحويل السلطة من نواة للدولة الفلسطينية المستقلة الى نواة للحل الإسرائيلي والحكم الذاتي المحدود بمسمى الدولة. لكن السؤال هنا هل يمكن أن تتعايش سلطتان- سلطة احتلال وسلطة وطنية – على شعب واحد وفي بقعة جغرافية واحدة وصغيرة إلى الأبد؟ لذا فإننا نقول أن المخرج هو الاستقلال الوطني الكامل للشعب المحتل.  
  
ومن العبث الاعتقاد انه يمكن مواجهة هذا المخطط الإسرائيلي بالمفاوضات لوحدها دون تدخلات وضغوط خارجية، كما انه من العبث ايضا وقف المفاوضات بدون خطة بديلة لأن هذا قد يقود الى أوضاع أكثر صعوبة. وقد يشكل عبئا إضافيا ومأزقا هو اكبر من مأزق استمرار المفاوضات.  

وفي إطار الحديث عن المخارج الممكنة، لا يزال اليمين المتطرف في إسرائيل يروج لمخطط الوطن البديل، و بأنه لا مكان لدولة ثالثة بين البحر و النهر . لقد رفضت القيادة الفلسطينية و لا تزال ترفض هذا المخطط ولا تعتبره مخرجا أو حلا وإنما هو تعقيد إضافي يتعارض مع مصالح الشعبين الأردني و الفلسطيني . كما أن هناك في الجانب الفلسطيني من يستبعد، وإن كان من منطلقات مختلفة خيار الدولة الثالثة لصالح خيار الدولة الواحدة في فلسطين. نحن لا نعتقد انه من الحكمة أو من الواقعي إسقاط خيار التحرر الوطني للشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 ، أي خيار الانفصال ، لصالح شعار الدولة الواحدة أي الاندماج، وذلك بدعوى أن استمرار الاحتلال والاستيطان سيؤديان مع مرور الزمن الى مثل هذا الحل. فنتنياهو  يراهن  بدوره على الزمن وعلى قوة إسرائيل العسكرية ، و لكن من اجل فرض حل آخر يحول دون الوصول الى أي من الخيارين السابقين ،  حل يقوم على عزل الشعب الفلسطيني في كانتونات.
    
لقد طرح الشيوعيون في فلسطين منذ مطلع القرن الماضي  خيار الدولة الديمقراطية الواحدة، وحينها كان اليهود أقلية في فلسطين ، لكن هذا الشعار تهاوى على خلفية سياسات الاستيطان والمصادرات  والاقتلاع  الصهيونية و "عبرنة العمل" التي لا تزال سارية حتى ألان. و من غرائب الأمور أن الشيوعيون أنفسهم--عربا و يهود-- لم يستطيعوا في ذالك الوقت الحفاظ على تعايشهم المشترك في حزب واحد ، فانفصل الشيوعيون العرب في عصبة التحرر الوطني ، وبقي الشيوعيون اليهود في الحزب الشيوعي الفلسطيني . وبالتالي فان شعار الدولة الموحدة ليس مشروع سياسي و لا يشكل مخرجا من الوضع الراهن وإنما هو مجرد  رؤية  طوباوية تمني النفس بحل قد يأتي أو لا يأتي بعد 100 أو 200 عام.

وبالمقابل فإننا كنا ولا نزال ازاء مفاوضات تتخبط بين الافق المسدود وبين الدخول في أزمة تحملنا تبعات الفشل. ومعالجة ذلك تستدعي بالأساس والى جانب خطوات اخرى، تحقيق انجاز أولي يتجسد في اتخاذ موقف حازم يؤدي الى كسر الموقف الإسرائيلي حول الإستيطان، كما يتطلب البدء بخطوة عملية تعيد فتح الأفق السياسي وتتمثل بالإعلان عن مجلس تأسيسي فلسطيني لإقامة الدولة يترافق مع تحرك عربي ودولي لتجديد الإعتراف بها على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 ويتعامل معنا على هذا الأساس.

فمع نهاية العام الحالي وانتهاء فترة المجلس التشريعي ورئاسة السلطة في حال عدم إنهاء الانقسام، سنكون أمام إحدى ثلاثة خيارات. الأول إستمرار الوضع الراهن كما هو عليه ألان ( وهذا أمر صعب) والثاني إجراء انتخابات في الضفة الغربية فقط (وهذا أمر سيعزز الإنقسام) والثالث هو إعادة الصلاحيات لمنظمة التحرير بإعتبارها مصدر الشرعية الوحيد المتبقي.

لهذا ليس أمامنا سوى إتباع خطة عمل تقوم على أساس تعزيز الصمود وعلى الوحدة والحوار الوطني والتقدم نحو تشكيل مجلس تأسيسي للدولة الفلسطينية والسعي بالتعاون مع القوى الصديقة ومع الدول العربية والمجتمع الدولي لتبني إعلان جديد يعترف بالسيادة الفلسطينية على كامل الارض المحتلة منذ العام 1967، بذلك  سنستعيد المبادرة وسنفتح آفاقا قد تشكل مخرجا من الوضع الراهن.
(عضو اللجنة التنفيذية لــ م. ت. ف، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عدوّنا الحقيقي

featured

الإخوان المسلمون في مصر فوق الشجرة..!

featured

أنموذج برهان غليون

featured

وحدة صف الجماهير العربية في إسرائيل هي المستهدفة

featured

مطلوب مبادرة لوقف العدوان والانسحاب الفوري ورفع الحصار

featured

"..وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ"

featured

قارب النجاة وشاطئ السلامة