حزينٌ كغيري أنا يا أهلنا في أبو سنان!.. فالذي حدث في بلدكم ليلة السبت 14- 15 تـشرين الجاري، خلال "معركة" الرصاص والقنابل، والتي أُصيب نتيجتها أكثر من أربعين مُصابًا، لم يحدث وحده، بل أنتم الذين كنتم للأسف وراء حدوثه!!.. مهما يكن، فاللهَ أسأل أن يعود المصابون إلى بيوتهم سالمين، وألاّ يُصابَ أحدٌ بعد...
أقول "للأسف"، وأنا أعني ما أقول! لأن الذي يعرفكم ويعرف ما أنتم عليه جميعكم، مِن آدميّة وكَرَم أخلاق وفضيلة، يَعجَب كيف لم تقف هذه القِيَمُ حائلًا دون تدهور الوضعِ إلى هذا الحدّ الخطير، الذي لولا مشيئة الله وستره، كان يمكن أن يتسبّب في سقوط ضحايا من الطرفيْن المتنازعيْن، أبناء البلدة الواحدة، وطلاّب المدرسة الواحدة!!
نعم! بين أيديكم يا إخوتنا، سلاحٌ كثير.. وفي بيوتكم ومخازنكم أكثر!.. وأنا لا أكشف سرًّا. فالكل يعلم، والأيام السود السالفات منذ سنين كشفت هذه الحقيقة المريرة! ولا أدري إنْ كنتم سُعداءَ بهذه الحقيقة! ما أرجوه أن لا تكونوا كذلك!..
إذا كانت السُّلُطات المختصّة لا تريد أو لا تستطيع جمعَ هذه الأسلحة، فهذا ليس لصالحكم أبدًا، بل العكس هو الأصحّ! وهو أيضًا تقصيرٌ من جانب هذه السلطات! لكنّ الأهم في نظري، هو أنه في غير صالحكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم...
***
والأصَحّ كما أراه، ليس جَمْعَ الأسلحة والتخلّصَ منها فقط، لأنّ الذي ينوي ويريد أن يستخدم السلاحَ ضدَّ خَصْمِهِ، ولا يجد سلاحًا ناريًّا في مُتَناوَل يدِهِ، سيستخدم سكينًا أو آلةً حادةً أو عصًا، وكلّ هذه يمكنها أن تسبِّبَ جراحًا بليغةً، ويمكنها أيضًا أن تقتُل!! والأصحّ الأفضل، كما لا شكَّ تعلمون، هو عدم استخدام العنف بأيّة وسيلةٍ كانت...
وعدم استخدام العنف، ليس بالأمر السهل الذي يمكن تحقيقه بالوعظ أو بالخطابة أو المقالات أو التمنّيات!.. إنه مَهَمَّةٌ تربويّةٌ شاقة تبدأ في الصِّغَر، لِتَغدُوَ "كالنقشِ في الحجر"!... هذه المهمّة التربوية الأساس، تبدأ في البيت ومع الوالديْن كليْهما.. فكما اعتدنا في مجتمعنا أن يتعرّف الطفلُ إلى أعمامِهِ وأخواله وأقاربه ويأنس إليهم، نحن أيضًا مُطالَبون إنسانيّا وتربويًّا ودينيًّا واجتماعيًّا- ثقافيًّا، بأن يتعرّف أطفالنا وأولادنا في كل مرحلة من أعمارهم، ليس فقط إلى أقاربهم، بل إلى جيرانهم وأبناء بلدهم، ويأنسوا إليهم، كما كان يفعل أجدادنا من قبل...
الأهلُ مُطالَبون قبل غيرهم، لأنه بالحقيقة لا يوجد أهلٌ عقلاء يريدون أن ينشأ أولادُهم على استخدام العنف، مع الناس، أبناء بلدهم، جيرانهم، أو رفاقِهم في المدرسة... إنهم يُحسِنون تربية أولادهم، إذا عملوا بجِدِّيَّة واستمرار على غرسِ قِيَمِ المحبّة والاحترام وحقوق الغير في نفوس أولادهم منذ الصِّغَر، فإنهم سيكبرون عندها، ويتعاملون مع أترابهم وجيرانهم بالمساواة والاحترام والمودّة...
***
ويأتي بعد ذلك دور المدرسة.. والمدرسة في تعريفها الرسمي هي "مؤسّسة تربويّة من الدرجة الأولى"... ومن المؤسف حقًا أن القائمين على شئون المدارس أكثر ما يهمّهم هو التعليم والنظام والزِيّ المُوَحَّد، بينما يكون الاهتمام بمواضيع التربية في درجة متأخّرة!.. وأكادُ أجزمُ، لولا خَشيَتي أن أظلِمَ مربّيًا أو مربّيَةً، أنّ حصصَ التربية في مدارسنا لا تُستثْمَرُ بالمضامين التي خُصِّصَت لأجلها!.. إنّ حِصَصَ التربية، والفعاليات التربوية، وكذلك أحاديث المديرين والمستشارين مع الطلاّب، خصوصًا في مدارس بلداتٍ، مثل أبو سنان وغيرها من القرى التي يقطنها أبناء طوائف دينية مختلفة، ينبغي أن تؤكِّد باستمرار على احترام الآخَر، واحترام ديانته وتقاليده، والنظرة إليه كابن بلد متساوٍ في الحقوق والواجبات البلدية الديمقراطيّة، له حرية التفكير والتعبير دون مَسٍّ بغيرهِ بأيِّ وجهٍ، وأيّ اتجاه...
المدرسةُ مُطالَبَةٌ أيضًا، بِحُكمِ رسالتِها، أن تستعين بمختَصّينَ تربويين في مجال العَيْش المشتَرَك دون استخدام أيِّ نوعٍ من العنف... مثل هؤلاء المختصين لديهم من المعرفة والوسائل العلميّة المتنوّعة ما يجذب اهتمام الطلاّب بالمواضيع، ولديهم أيضًا ما يؤهلهم للقاء الأهل والتعاون معهم...
***
لأجل كل ما تقدّم، يا أهلنا في أبو سنان، ويا كل اللجان المحترمة والمشكورة، الساعية إلى الصُّلح وحلّ المشاكل في القرية، لا يغرّنكم أحدٌ أن الحل يكمن في مطالَبَة الشرطة بجمع السلاح من أبو سنان وغيرها من القرى العربية!.. ولا أقول قولي هذا لأني لا أحبّ أن تُجمع كل الأسلحة من كل القرى والمدن!على العكس تمامًا! لكنني لا أومن أنه توجد قوة تستطيع أن تنجح في هذه المَهَمّة!.. إن العديد من القرى العربية مليئة ليس فقط "بأسلحة خاصة"، بل، كما سمعتُ من صحفيّ يهودي على التلفزيون، لا أذكر اسمه، أن كثيرين من الشبان اليهود، جنودًا وغير جنود، يحملون أسلحتهم إلى أصدقائهم العرب في القرى، لتخبئتها هناك!! ففي القرى العربية "لا تستطيع" الشرطة أن تضع يدها على سلاح!..
(المكر - إقرث)
