(25.11.1945 – 19.4.2010)
يدركنا الفجر، من كلّ ليلة سبت ممتعة في الحوار التكامليّ، في أجواء سهل أبوسنان وكفرياسيف، بضيافة رفيقنا صلاح دباجة المتواضعة في برج الحراسة، وبحضور مجموعة مطّردة من الأصدقاء، وأخرى أكبر من الشباب والصبايا، كانوا يحوّطوننا، ويخترقون صفوفنا، رغم البرْد القارس وطلقات البرَد على الزنك وصفائح الحديد في الشتاء، ولسعات البعوض في الصيف. بعد الأخذ والردّ، وبعد أن نتفاعل ونستمدّ ونستعين بالنظريّات وبالتاريخ والأفكار الثوريّة/القمريّة لتحرّك شواطئنا الهادئة إلى مدّ هادر، وتارة إلى جَزْر مستعدّ، يغادر الشباب والصبايا المكان، لنحتسي ما جاد به جمال، ونستقي رأيا من هبة الأصدقاء. وفي طريق عودتنا إلى بيوتنا،كنت أتعهّد لأحمد سعد مازحا: سأكتب يوما عن حواراتنا في الصحف ليلقي القرّاء بدلوهم فيها؛ فيسبقني إلى ذلك.
قبل وفاته بسنة، في ربيع سنة 2009، تداولنا ما قاله رئيس الدولة، شمعون بيرس، في مؤتمر "نانو- إسرائيل"، حيث كشف أنّ الدولة قامت برعاية العديد من المجموعات ومراكز الأبحاث التي تعنى بتكنولوجيا النانو ( أو تقنية الصغائر) في كلّ جامعات البلاد الرئيسيّة، وأنّها تسهم بالأبحاث التنمويّة التي تقوم بها شركات تكنولوجيّة مثل: إنتل وإتش بي (HP) وغيرها من الشركات الناشئة والعاملين في هذا المجال. وعبّر بيرس عن اعتقاده بأنّ تقدّم إسرائيل وريادتها في علم النانو تكنولوجيا سيعود عليها بفائدة كبيرة، أكبر من فائدة الهايتك، وسيحلّ العديد من المشاكل التي تواجهها اليوم، مثل: المياه والطاقة والاستخبارات العسكريّة و... وسؤالنا: هل تسقط الدولة؟
في تلك الليلة، أشرنا إلى تراجع دولة الشعب بأسره، دولة النمط الاشتراكيّ، كأداة لإرادة الشعب ولبناء الشيوعيّة، كنّا اتفقنا على أنّ الدولة نشأت في المجتمع الطبقيّ كأداة تسلّط سياسيّ ونفوذ للقوّة/ للطبقة السائدة المستحوذة على وسائل الإنتاج القائم على الملكيّة الخاصّة ... ووظيفة الدولة الرأسماليّة هي: الاستغلال والقمع وحماية الطبقة الحاكمة وزيادة أرباحها، أمّا وظيفة الدولة الاشتراكيّة فهي: أن تعبّر عن مصالح جميع الشغّيلة وترعاها وتوسّعها، وأن تدافع عن حقوق كلّ الشعوب في الاستقلال الوطنيّ والحريّة والديمقراطيّة والتقدّم الاجتماعيّ...، آمنّا بزوال الدولة الرأسماليّة وبالانتقال إلى الإدارة الذاتيّة...
واليوم، يطلّ علينا بيرس ليبشرنا بفشل الحكومات ونظام الدولة في صورته الحاليّة، ويؤكّد زوالها لتحلّ محلّها الشركات الكبرى العابرة للقارات، التي تعتمد على النانو تكنولوجيا.
لا شكّ في أنّ بيرس يشعر ويتعاطف مع الجماهير العريضة في الغرب الرأسماليّ الناقمة على الحكومات والسياسيّين، الذين أنتجوا الأزمات الاقصاديّة والاجتماعيّة، وفاقموا من البطالة القسريّة والعنف، ومن فقدان الثقة وسيطرتها على المعلومات والمعرفة، ويستنتج: أنّ زمن هكذا حكومات ولّى وانقضى؛ لأنّ الاقتصاد لم يعد يعتمد على الأرض ... بينما يرى الشركات العالميّة تزدهر وتتطوّر؛ لأنّها تعتمد على المعلومات والمعرفة العابرة لحدود الدول، والمتاحة على الشابكة والآيفون ... لذلك تتحمّل الشركات الكبرى العالميّة مسؤوليّة أكبر عن المصلحة العامّة من الحكومات والسياسيّين...
ويستطرد بيرس في إقناعنا بأنّ ذئب الشركات أرحم من حمل الدولة!
آمن أحمد سعد ورفاقه، الذين تسلّحوا بالتفاؤل الثوريّ ورفضوا الهزيمة، بسقوط الدولة بعد نجاح ثورة المستَغَلّين، وصعود رفاقه الفوارس إلى شمس الحريّة.
ويؤمن بيرس بسقوط الدولة بعد نجاح ثورة النانو تكنولوجيا، وسيطرة الشركات الكبرى العالميّة على الاقتصاد والحكم.
ويؤمن الإخوان المسلمون بسقوط الدولة، إذا انتصرت الشريعة وبنوا ولاية الخلافة.
ويؤمن مشايخ البترودولار بالمشيخات وبجيوش الردّة، ولم يؤسّسوا يوما لنظام الدولة.
نم قرير العين يا أخي، لن نيأس،لم نيأس في زمن لبس فيه الذئب ثوب الحمل، وفي زمن الإشادة بالتدمير وتحقير البناء، وفي زمن النانو رحمة وميكرون العدل وجيجا الظلم. كيف سنيأس بعد أن وقفنا بالعزّ على قبرك واكتسبنا خبرة من تضحياتك الجسام؟!
