هداية "حماس" إلى الصواب

single

مشعل وأبو مازن. هناك من لا يعجبهم الأمر في "حماس"

 

*المتعنتون من قادة "حماس" المقيمون في غزّة تمكنوا، في كل مرة، من إحباط ما أبرمه رئيس مكتبهم السياسي وأظهروا رئيسهم بمظهر العاجز عن الوفاء بما يلتزمه. وأياً ما كانت عليه دوافع هؤلاء المحبطين، فمما لا شك فيه أن نجاحهم في هذا المجال قد مسّ بمكانة مشعل وصدقيته ووضعه في موضع القائد الذي لا يمون على جماعته*

//

حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تواجه هذه الأيام استحقاق تجديد مكتبها السياسي. ولأن الشفافية ليست من سمات الحركة الإسلامية، فإن تنفيذ هذا الاستحقاق يتم في الخفاء، فلا يعرف الجمهور مما يجري إلا ما يتسرب عبر الأقنية الملتوية، أو ما يمكن استخلاصه استخلاصاً من مؤشرات متفرقة.
خالد مشعل شاغل أعلى منصب في الحركة أكد، بنفسه هذه المرة، أنه لن يبقى رئيساً لمكتبها السياسي. قال مشعل هذا في صيغة تظهر أنه ينخلع من موقعه ساخطاً. وما قاله مشعل أكدته مصادر حمساوية أخرى، وجاء التأكيد في صيغة تظهر الفرح. لكن، لا مشعل الساخط ولا الفرحون بانخلاعه أفصحوا عن الأسباب.
بغياب الشفافية، ينفتح باب عريض للاستخلاصات. ولأن بقاء مشعل في منصبه أو تنحّيه أو تنحيته أمور ذات دلالة عامة، فإنها تثير الفضول وتطلق البحث والتقصي على نطاق واسع. وهكذا، بين أشياء كثيرة ينشغل بها الفلسطينيون، يبرز السؤال الذي يدور في الأذهان وتتداوله الألسنة: ما الذي يدفع قائد "حماس" الأول إلى الانخلاع من منصبه فيها؟
لو كانت "حماس" حركة تحتفي بمبادئ الديمقراطية وتعلي شأن مبدأ تداول السلطة والمناصب القيادية، لقيل في الإجابة على هذا السؤال إن من الطبيعي أن يُفسح شاغل المنصب الأول الدور لسواه. ولو كان مشعل متقدماً في السنّ أو مبتلى بما يعجزه عن القيام بمهام القيادة، لاتضح السبب دون حاجة إلى تكهنات أو استخلاصات. ولو كانت "حماس" من الحركات التي تحاسب قائدها على أخطائه وكان مشعل من الخطّائين، لجاز أن ننسب السبب الى مبدأ المحاسبة. غير أن "حماس" ليست حركة ديمقراطية، ومشعل ما زال في العمر الذي لا يستدعي أي قلق على قدراته، وهو يتمتع بصحة جيدة، وإمارات العافية تطفح من جسده وتثير حسد عواجيز أقرانه من القادة الفلسطينيين الآخرين. وفي مؤسسات "حماس" العديدة لا توجد المؤسسة التي تحاسب قادة الحركة على أخطائهم. وفي معايير "حماس" لتحديد الخطأ والصواب، لا يوجد ما يجيز اتهام مشعل بأنه من الخطائين.
إذاً، هي هذه الخلافات المبدئية وغير المبدئية التي اشتد أوارها في الحركة، خصوصاً بعد غياب قائدها المؤسس الشيخ أحمد ياسين، والتي لم يعد من الممكن التكتم عليها منذ أقامت "حماس" سلطة الأمر الواقع في قطاع غزّة. ولقد كانت هذه، كما هو شأنها حتى الآن، سلطة منقوصة ومقيّدة بألف قيد وقيد ومطعون في شرعيتها. لكن هذا لم يمنع أن تتأجج الخلافات داخلها ويحتدم الصراع على الاستحواذ بما تبيحه من منافع.
في خلافات مشعل مع قادة آخرين في الحركة، امتزجت أمور عدّة: الصراع على النفوذ في الحركة والسلطة، الموقف من المحيطين العربي والإسلامي، والموقف من العالم، والسلوك إزاء الاحتلال، والشأن السياسي الفلسطيني بأسره.. الخ. ومنذ استولت "حماس" على السلطة في قطاع غزّة، تعزز، بحكم طبائع الأشياء قبل أي شيء آخر، موقع قادتها المقيمين في القطاع، على حساب مواقع القادة المقيمين في الضفة أو في الخارج. وفي محاولة منه للاحتفاظ بقدرته على التحكم في حركته، قام مشعل بمحاولة مبكرة، فسعى إلى الاستحواذ على مزيد من الصلاحيات الأمنية والمالية والسياسية والإعلامية، وأنشأ شبكة صلات تربط مسؤولي أجهزة "حماس" في الداخل بشخصه، في نحو يتخطى مناوئيه من أعضاء المكتب السياسي المقيمين في غزّة.
لكن طبائع الأشياء كانت أقوى تأثيراً من تأثير هذه المناورة. وبمضيّ الوقت، تراخت قدرة مشعل على الاحتفاظ بما استحوذ عليه. وأنشأت مصادر الثروة التي وفّرتها الانفاق وسواها قواعد جديدة لتوزّع النفوذ. وتفككت شبكة الصلات التي عوّل مشعل عليها وتبدّلت ولاءات ناسها.
وفيما "حماس" تواجه شتى أشكال النبذ والإدانة والانتقاد على هذا أو ذاك من أوجه مواقفها وسلوكها، وبعد أن كان مشعل منسجماً مع هذه المواقف وهذا السلوك ومشاركاً فيها، جاء وقت بدأ الرجل يسوّق نفسه فيه باعتباره قائداً مختلفاً عن قادة "حماس" المتعنتين. وما دمنا إزاء حركة يستعين قادتها على قضاء الحوائج وغير الحوائج بالكتمان، فمن الصعب التعرف في نحو يقيني على دافع مشعل إلى التميز، أهو دافع مبدئي استهدف ربط "حماس بالمشروع الوطني الفلسطيني كما بلورته منظمة التحرير الفلسطينية، أم هو دافع عملي هدفه الاستعاضة باسترضاء الخارج المحيط بـ "حماس" عن النفوذ الذي راح هو يفقده داخلها؟
أياً ما كانت عليه الدوافع، فإن خالد مشعل انتهج سياسة ظهر بها في موقع الحريص على الوحدة الوطنية الفلسطينية، المستعد لتقريب "حماس" من روح العصر، الساعي لتليين التعنّت الذي وسم تاريخ الحركة ونأى بها عن مجرى التطور الفكري والعملي الذي تحقق للحركة الوطنية الفلسطينية. وبدفع من مشعل وفريقه في "حماس"، شهدنا المواقف المتعقلة أثناء مفاوضات التصالح مع "فتح"، كما شهدنا التفاهمات البناءة التي انعقدت بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبين رئيس المكتب السياسي للحركة التي ناوأت عباس. كما شهدنا وقائع كثيرة من هذين النوعين.
والذي حدث أن المتعنتين من قادة "حماس" المقيمين في غزّة تمكنوا، في كل مرة، من إحباط ما أبرمه رئيس مكتبهم السياسي وأظهروا رئيسهم بمظهر العاجز عن الوفاء بما يلتزمه. وأياً ما كانت عليه دوافع هؤلاء المحبطين، فمما لا شك فيه أن نجاحهم في هذا المجال قد مسّ بمكانة مشعل وصدقيته ووضعه في موضع القائد الذي لا يمون على جماعته. والآن، ما لم يظهر مما هو مخفيّ ما يُبدّل الصورة، يبدو أن واحداً من متعنّتي "حماس" هو من سيحلّ قريباً على رأس قيادتها، محلّ مشعل.
في كل حال، سيُسجّلُ لمشعل أنه حاول، حتى مع أنه فشل وخسر موقعه. والسؤال الذي يمكن، بل ينبغي، طرحه إزاء هذه النهاية هو هذا: "أما آن الأوان لخالد مشعل لكي يتحدث بشفافية ويصارح الجمهور بكل ما عنده"؟ وإذا لم يفعل خالد مشعل هذا، فكيف لنا أن نصدق أنه خسر موقعه ثمناً لمواقف يراها هو صحيحة، وليس ثمناً لصراعات غير مبدئية على مواقع النفوذ. وبدون الشفافية، ما الذي سيهدي "حماس" الى الصواب؟.

 

*(تنويه: في المقال السابق، عنوانه: "ما يهدئ المواجع"، وقع، سهوا،ً خطأ أساء للمعنى. فقد ورد في الفقرة الثانية من المقال ذكر مجلس النواب البريطاني، وهذا خطأ، والصواب: مجلس النواب اللبناني.)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمراض الأبهر – AORTA – أمهات دم الأبهر الصاعد

featured

مويل الهوى يمّا مويليّا

featured

جورج حزبون، مناضل ونقابي فلسطيني العريق

featured

عربي مشكّل في البنك

featured

الإرهاب الذي في الشوارع والذي لا نسمع عنه

featured

تغريبة بني اقرث

featured

العنصرية مستنقع في الدولة!!