هنالك أحداث يجب أن تبقى حيّة في ذاكرة الناس.. ومنها قضية اقرث وكفر برعم وباقي قرى مهجّري الداخل ضمن ما اصطلح على تسميته بالخط الأخضر البعيد عن كل الخضرة بعد السماء عن الأرض. لذلك وبناء عليه مباركٌ أي مجهود في هذا السبيل لإنعاش الذاكرة باستمرار لكي تستعصي على النسيان.. ومنها ذاكرة معين سبيت في تغريبته عن أبناء اقرث كي تبقى في الوجدان، فيها يختلط الخاص بالعام وتذوب الأنا بالنحن وتبقى الذاكرة الجماعية حتى يعود الحق الى أهله. وعليه أيضا هذه التغريبة الإقرثية جزء من التغريبة الفلسطينية وإحدى حلقات النكبة التي طالت هذا الشعب الصابر صبر أيوب. تصوّروا مثلاً لو أن كل قرية مهجرة أصدرت كتابا تحدثنا فيه عن تاريخها وعن ناسها وعن كيفية اقتلاعهم.. تصوّروا كيف يكون وضع هذه الذاكرة الجماعية حين يضاف الى المكتبة العربية الفلسطينية ما يزيد عن خمسمائة كتاب شعرا أو نثرا، رواية أو قصة أو بحثا أو تحقيقًا يعتمد على التاريخ الشفوي خليطا من هذا كله.. تصوّروا أي موسوعة تضاف الى تاريخ هذا الشعب المنكوب.
وهنا لا تهمني القيمة الأدبية، لا يهمني سوى أن تبقى القضية حيّة. لأن قيمة الأدب بحسب منظوري لا تعتمد على النحو والصرف- وإن كان لهما محل- بقدر ما تعتمد على الالتزام صدقًا بقضايا الناس وهموم الناس وحياة الناس.
قد يعتبرني البعض متطرفا في تسامحي هذا.. لتنكسر جميع حروف اللغة ولتمت الحمارة شريطة أن يبقى الإنسان حيّا ويبقى المكان ذاكرةً ليست للنسيان. ليبقى ذكر الأشخاص وأسماء المواقع وأرض البستان والعين وساحة الميدان والبيادر وجذر البلد والجامع والمسجد والكنيسة والحجارة شهود عيان أحياءً للقيمة ولذاكرة المكان.
كان في جيل المراهقة -التي حُرم منها- عندما مات والده وأورثه دارًا وبستانا حُرم منها أيضا. لكن هذا الاقتلاع لم يلغ ذاكرته وسرحة الخيال ولثغة النايات، ولم يثلم إرادة الوالدة وكفاحها. إنه يذكر القابلة ومطبّب الأعشاب والراعي والناطور وناقل البريد والخوري اندراوس والمطران ريّا وخاله دياب الذي أوصى بدفنه في مقبرة القرية ولم تسمح السلطات بذلك هلعا من حق العودة حتى للأموات ورعبًا من الذاكرة الجماعية الفلسطينية.
بقي أن أذكر أن معين هو الأخ الشقيق لطيّب الذكر الشاعر الشعبي عوني سبيت وأن اقرث تقع على قمة جبل وكان هدمها في 25.12.1951 عبارة عن هدية الميلاد.. وانها تولد من جديد في كل يوم نتذكرها!
