في "أسطول الحريّة"، كما في كل المجازر التي تأتي كشكل لجنون العربدة الإسرائيلي، يحاول المجرم أن يغيب في الحادثة ويمحي، وأن يُحوِّل الموضوع الى إمكانيات تأويل لا حدود لها.
إسرائيل الرسمية تورطت. نقطة. وهي غير قادرة الآن، بعنجهيتها المعتادة، أن تعترف بحجم الورطة. لذلك نراها تلجأ الى اختلاق روايات لا أساس لها، كان أسخفها ما ردده رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحفي إتّسم بالعصبية التي بدت ملامحها على تقاطيع وجهه، من أن رواد "أسطول الحرية" هم الذين بادروا الى مهاجمة الجنود الإسرائيليين وهم الذين فتحوا النار أولاً.
الكذب الإسرائيلي مُكدَّس على الطرقات وعلى قنوات التلفزة. واسرائيل الرسمية مرتبكة. تكذب الكذبة، وكعادتها تصدقها. لكن هذه المرة الكذبة أكبر، بكثير، من أن يجري تصديقها وترديدها. لذلك امتنعت أغلب شبكات التلفزة العالمية من ترديد ما قاله نتنياهو. وليس هذا فقط. بل وسائل الإعلام الاسرائيلية، المرئية والمسموعة والمقروءة، لم تتعامل مع كلام نتنياهو بجدية. وتركته، بعد ساعة تقريبًا، حبرًا على ورق خارج حدود الشاشة أو الصحيفة أو المذياع.
الماكينة الإعلامية الإسرائيلية كأنها خارج المكان والزمان. المكان: مياه دولية. الزمان: فجرًا. هي – اسرائيل – تقوم بعملية قرصنة إرهابية نألف لديها مثيلاتها، وكأننا، معها، نعود الى الفوضى التي يبدأ منها كل شيء. لم يعد أي دور أو امكانية او معنى لكي لا تكون اسرائيل كما كانت في الماضي. هذه هي المؤسسة الإسرائيلية على حقيقتها، بالتمام والكمال. ولم يعد هناك من إمكانية للتعامل معها الا بوصفها عبئًا على العالم بلا حدود، شكلاً لا يحدد شكل الجريمة أو حجمها فحسب، انما يتشكل فيها ومعها، ويترك للفوضى ولجنون العربدة والقرصنة أن تقول. عندها، قد يبدو أن الصبر العالمي بدأ ينفذ في لا تحمّل العنجهية الإسرائيلية الجديدة.
لذلك يعود "أسطول الحريّة" الى كونه عملية قرصنة إرهابية لا تعطي سوى صورة ذلك الجلاّد المناوب الذي يعيشه الإسرائيلي العبري، صورة، على ما يبدو، كان المقصود منها أن تقوم بمهمة "توحيد" الإسرائيلي وقيادته الى الإطمئنان على حاله وأن "المؤسسة الأمنية" تحميه من خلال عربدة مخطط لها مسبقًا، يُراد لها أن تتعاظم، وأن تصبح سيّدة الموقف التي تتخلى طوعًا عن منطق الأشياء وتتجه نحو "خلِّي السيف يحكي".
وبالتالي تترك العلاقات تنظِّم نفسها في حدود الغطرسة ولغة القوة، بينما النتيجة كانت عكسية: لقد انفرطت من جديد وتشكلّت في وحدة لا أسم لها سوى الفضيحة - فضيحة الرغبات وفضيحة المواقف، وفضيحة العقلية المتحكمة.
ربما، يتم اكتشاف الفضيحة على مهل، وبالتالي لم يعد للإسرائيلي العبري سوى أن يصبح اشكالية محددة في زمانها وفي راهنية المشكلات التي تخلقها للعالم. الاسرائيلي، بهذا المعنى، هو الجلاّد الأوّل، لا ينوجد الا ليكون داخل عالم لا يستطيع، حتى الآن، القبض عليه. لكنه – العالم – بدأ يُظهر بوادر تمَلمل، في حين أن الإدانات المتزايدة لم تعد تكفي، وهي انعكاس للكيل بمكيالين، وتأشيرة لإسرائيل للتفكير بالجريمة القادمة، ما دامت ردود الفعل متوقفة عند حدود الإدانة اللغوية، وهكذا يتزايد العُهر الاسرائيلي وتتزايد الضحايا فيما تكتشف اسرائيل وجهها ولغتها في الأكاذيب التي لا تنتهي.
