ستبقى ذكراك نموذجًا للإنسان القائد والكادح

single


// رياض خطيب
كان صباح ذلك اليوم نديًا رطبًا وأشعة الشمس تحتضن قريتنا الوادعة في أحضان الطبيعة، حبات الندى تتساقط من على غصون التينة حين تمتد أيادي الفلاحين لقطف بواكير حبات التين وهم في طريقهم نحو الحقول الممتدة حول أطراف القرية وعلى مدى البصر!!
وكان الليل نموذجيًا للسهر والسمر على بيادر القمح أيام الحصاد، حياة وادعة وهانئة في بلاد عامرة بأهلها وناسها! وفجأة تغيرت الأحوال.. اتشحت الدنيا بالسواد! تفجرت الدنيا، حصار.. رصاص.. تدمير وتشريد.. مصادرة وأوامر عسكرية صارمة! وكانت النكبة! فهُجر من هُجر.. ورحل القسم الآخر حتى إلى ما وراء الحدود وقسم آخر هام على وجهه وأصبح بفعلة فاعل لاجئًا في وطنه! مأساة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا وأصبحت أمرًا واقعيًا وملموسًا قصة اللاجئ في وطنه! وعلى مرمى حجر من أرضه وبيته!
ومن رحم هذه المأساة ترعرع وانتصب راحلنا ورفيقنا أبو يوسف لكي يحمل هموم أهله وبيته وشعبه وكان لا بد له كغيره من عشرات الآلاف من المهجرين ان يبدأ من جديد! وكأن شيئًا لم يكن. انتصب كالمارد لكي يواجه الواقع الجديد الذي فُرض عليه ومن اجل استمرارية الحياة والوجود على تراب هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه!! فكان لا بد من التحدي فانخرط رفيقنا اسطفان في صفوف الحزب الشيوعي! الجسم الوحيد الذي تحدى القدر لكي يواجه المسيرة نحو طريق الخلاص والدفاع عن البقية الباقية من الأرض والشعب!
فكانت بداية جديدة مع واقع آخر.. لم تكن المسيرة سهلة بل مليئة بالمخاطر والمعاناة وأيام الحكم العسكري البغيض وغرس الحزب في نفوس رفاقه وجماهير شعبه إرادة المواجهة والتمسك بالبقية الباقية من الأرض والشعب وكان رفيقنا اسطفان دائمًا على العهد في مختلف المحافل الحزبية والجماهيرية، فكنت يا رفيق وفيًا لحزبك ولشعبك ولمأساتك الشخصية، وهل يعقل ان ترضى بأقل من حق العودة هذا الحق الذي أقرته كل الشرائع البشرية والإنسانية.
وأتذكر يا رفيق أننا زرناك أنا وبعض الرفاق وكنت على فراش المرض.. وعلى شرف مؤتمر الحزب القطري وقد لاحظت الغصة التي في عينيك لعدم استطاعتك مشاركتنا في هذا العرس الثوري والذي كنت مواظبًا عليه، فقمت بسداد التزاماتك المالية.. وأخذت تحدثني عن ذكرياتك أيام الرحيل وسنوات المطاردة من قبل الحاكم العسكري وقوات الأمن فازدحمت الجلسة علينا من الرفاق والأهل والأبناء والأحفاد، فطلبت منك ان تؤجل الحديث في هذا الموضوع إلى زيارة خاصة أقوم فيها بتسجيل كل هذه الذكريات لكي تكون عبرة لأجيالنا القادمة وودعناك.. لم أحس يا رفيقي ان يد المنون ستكون أسرع منا! ولكن أعاهدك بان انقل سطور هذه الملحمة الإنسانية وبمختلف الوسائل والأساليب لتكون عبرة لنا جميعًا ولأجيالنا القادمة من اجل ان لا تكرر!
ولك مني وعد يا رفيق بان تبقى ذكراك كنموذج للإنسان الكادح القائد الذي انخرط في قناعاته المبدئية حتى النخاع وكان نموذجًا للإنسان المخلص المواظب لقضيته.
فإلى جنات الخلد ونقدم العزاء لنا رفاق دربك ولأهل بيتك ... من المهجرين وعليك منا جميعًا السلام.

 


(نص الكلمة التي القيت في حفل التأبين الذي اقيم مساء يوم الجمعة الفائت)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مهمات اساسية لمواجهة التحديات الكارثية لمواقف نتنياهو!

featured

لبنان: لماذا المحكمة؟

featured

مع من يجب أن تكون الصداقة؟

featured

ألجموا هذا المارق الخرف

featured

نتنياهو الحاكم بأمره

featured

وراء كلّ ناهب منهوب

featured

تأكيد لإدانة المؤسسة الاسرائيلية

featured

المصالحة والممالحة قبل الزيارة