أيها الراحل بعد طول عناء وعنفوان!... في ضمائر التواقين إلى الحرية والكرامة والنور، ستبقى حيًّا... وفي عيون الفقراء والأوفياء الأنقياء ستبقى حيًّا... المتجرحون في كل بقاع الأرض أحبابُكَ، والمضطهَدون المطارَدون، أينما كانوا، هم زملاؤك... لأجل كل هؤلاء عشتَ وناضلت وعانيْت...
عشتَ تُعنى بأمورهم، وتتابع أحوالهم، وتدرس كيف يمكن تحسينها!
وناضلتَ بصلابة وثبات وأنت تمثل صوت الحق عنهم، لا يصمت!
وعانيت في حياتك الشخصية والأسرية والمعيشية، لكنك لم تهُن أو تلن!
ظللتَ محترمًا في كل ما فعلت... اختلفتَ مع البعض، لكنهم ظلوا يُكِنّون لك كل الاحترام والتقدير...
لذلك أيها الصديق العزيز الذي يرتحل عنا، كن واثقا أن ما ناضلت لأجله طيلة حياتك هو الحق... فنحن المستنيرين بالثالوث المقدس في المعمودية، نؤمن أن الله تواضع وأصبح إنسانا لِكَـيْما يصبحَ الإنسانُ إلها...هذا الإيمان ليؤكد لنا على قيمة الإنسان في نظر الله... وإذا كان الفرد منا يسعى نحو سعادة الإنسان، أيًّا كان، ونحو كرامته وحريته وخدمته ونقاوته، كما فعلت أنت، فإنه لعمري يكون يعمل مع الله لرفع قيمة الإنسان، من حيث يدري أو لا يدري، ومن حيث يقصد أو لا!
فنم قرير العين يا أبا نرجس. لقد تركتَ لنا إرثا كبيرا ونفيسا من المناقب والقيم: المحبة والتواضع، والإيثار والتجرد والأنفة، واحترام الناس ونقاء ذات اليد والصمود، والاكتفاء بالقليل والأمانة في الخدمة وعدم التذلل أو الامتهان...
إن حبة الحنطة التي تقع على الأرض وتموت، تعطي ثمرا كثيرا، كما علمنا الناصري له المجد. وموتك في الجسد يا حبيبنا "أبو نرجس"، سيعلم الكثيرين ويجعلهم يثمرون... الرحمة والمغفرة لك، والتعزية وطول العمر لذويك وللجميع.
