لم يبدأ البرنامج النووي الإيراني، بصعود أحمدي نجاد للحكم، ففي ستينيات القرن الماضي، بدأ الشاه بهذا البرنامج، وبين صعود وهبوط، وصل البرنامج إلى أوجه في عهد محمد خاتمي، الرئيس الإيراني السابق، وفي حينه قامت أوساط معارضة إيرانية بالكشف عن وجود منشآت نووية في إيران غير مصرح عنها لوكالة الطاقة العالمية. كان ذلك في العام 2002.
وبالرغم من كل المحاولات لتأجيج العداء والكراهية ضد إيران، فقد استطاع خاتمي بتوجهه المعتدل، خطابة وتصريحات على الأقل، أن يلجم الانفلات الغربي، وخاصة تلك الأوساط التي احتلت البيت البيض، في عهد بوش الابن، وبالتالي أن يلجم جوقة اليمين الإسرائيلي المستعدة، دائمًا وأبدًا، للنفخ في نار التوتر العالمي.
لم يتحدث أحد عن فرض عقوبات على إيران، فالرئيس السابق خاتمي، الذي يتحدث بعقلانية عن توطيد العلاقات بين الشعوب، والذي يسعى لتوفير الديمقراطية داخل شعبه ويسعى لجذب الشباب الإيراني لصالح الانخراط الإيجابي في بناء المجتمع، لا يمكن أن يعمل على استعمال السلاح النووي لأغراض حربية. وفي حينه حاولت الولايات المتحدة أن تضع على طاولة مجلس الأمن قضية المشروع النووي الإيراني فتصدى لها، بحزم، كل من روسيا والصين، ومنعتا حتى مناقشة الموضوع في مجلس الأمن.
بعد صعود احمدي نجاد انتهى شهر العسل، وأمام كل برغي يتم شده أو إرخائه في البرنامج النووي الإيراني، كانت تثور ثائرة العالم، وبالذات الجوقة إياها في إسرائيل. إسرائيل ليست وحدها هي المحرك، ولا أمريكا وحدها هي المحرك لموجة التحريض على إيران، فمهما بلغ جبروت هؤلاء، فهم يحتاجون إلى ذريعة. والذريعة، كما كان الأمر في عهد صدام، هي التصريحات النارية، التي لا نعرف في أية خانة نضعها؛ هل هي الغباء، ولكن حتى الغباء لا يحتمل هذا المستوى من الغباء؟ ولذلك لا يمكن إلا أن نضعها سوى في باب الخدمة المباشرة لحكام إسرائيل. فماذا يعني، شعار "سألهطهم- أي إسرائيل- بالكيماوي"، في عهد صدام، إلى تصريح نجاد أمس الأول في بيروت بالتهديد بالقضاء على إسرائيل؟!.
ماذا تريد حكومة نتنياهو أكثر من هذه الهدية؟ وأمس الأول، الأربعاء، ظهر محللون كبار في القناة الثانية يقولون بكل وضوح، بما معناه أن أحمدي نجاد هو ذخر لإسرائيل، وخاصة للرباعي- نتنياهو-براك-ليبرمان-يشاي، للاستمرار في برامجهم ومخططاتهم.
هذا هو الفرج العربي الذي اعتمدت عليه إسرائيل، ولكنه، اليوم، فرج بائس. فرج بائس لأن الوضع بائس؛ عندما يقوم زعيم حزب الله، الشيخ حسن نصر الله، بتهديد إسرائيل بنهايتها من.. مخبئه في بيروت. وإذا لم يكن ذلك هو العبث فلا يوجد عبث؟
ستقوم آلة الدعاية الإسرائيلية، اليوم، بمجهود مضاعف، من أجل نشر أقوال الشيخ نصر الله ونجاد، و"يا ويلي على إسرائيل من نجاد ومن نصر الله!".
زيارة أحمدي نجاد للبنان بائسة، ليس فقط بمضمونها وشكلها وبالتصريحات البائسة، التي هي أكبر هدية لإسرائيل، بل لأنها اشكالية في السياق اللبناني نفسه، من حيث ما يمكن أن تخلقه من اصطفاف وتوتر طائفي، لأن الزيارة، بدون الرتوش التي يحاولون إغداقها عليها، هي زيارة رئيس دولة لحزب الله.
لا نعرف إذا كانت الزيارة وبرنامجها هي من ترتيب الشيخ حسن نصر الله، أم أنها نتيجة إملاء إيراني. برأيي أنها زيارة وبرنامج بموجب إملاء إيراني، فالشيح حسن نصر الله حذر وعقلاني أكثر بكثير من جنون هذه الزيارة.
