"أَوَّلاً جَاءوا"

single

قال القسُّ الألماني إميل مارتن نيمولر المناهض للنَّازيَّة، والذي نجا بأعجوبة من مقصلة هتلر في فترة الحرب العالميَّة الثَّانية، في قصيدته "أوَّلاً جاءوا": عندما اعتقلوا الشُّيوعيِّين لم أُبالِ لأنَّي لستُ شيوعيًّا، وعندما اعتقلوا الاشتراكيِّين لم أُبالِ، لأنَّي لستُ اشتراكيًّا، وعندما اعتقلوا أعضاءَ النِّقابات العمَّاليَّة، لم أُبالِ لأنِّي لستُ نقابيًّا، وعندما اعتقلوا الكاثوليك لم أُبالِ لأنِّي برتستانتيًّا، وعندما اعتقلوا اليهود لم أُبالِ، لأنَّي لستُ يهوديًّا، وعندما جاءوا لاعتقالي..لم يبق أحدٌ ليُدافع عنِّي..
لقد فهمَ الاستاذ آدم ڤارتا، هذه المقولة جيِّدًا، وهو مُدرِّسٌ لموضوع المدنيَّات في مدرسة "أورط"، في كريات طڤعون التي تقع غربيَّ قرية طبعون العربيَّة، وتبعُد عنها بُعدَ مرمى الحجر، على الشَّارع الرَّئيسيِّ بين حيفا والنَّاصرة، وعلى الطَّرف الشَّمالي الغربيِّ لمرج ابن عامر..
إنَّه يعي تمامًا قصيدة القسِّ اللوثري..
ويدركُ بامتياز أنَّ حكاية المستوطنة وحكاية القرية هي عيِّنة من عيِّنات مأساة شعبنا في نكبته فوق أرضه، وله كثير من تأنيب الضَّمير.
لقد قرَّر هذا المُدرِّس أن يُعلِّم طلاب صفِّه الحوار والتَّحاور وسماع الرَّأي الآخر والمغاير والمخْتلف، في دروسه التَّعليميَّة في علم المدنيَّات، لذلك تجده، بين الفينة والأخرى، يثير نقاشًا منفتحًا ومفتوحًا بين الطلاب حول القضيَّة الفلسطينيَّة، حين يُعبِّرُ عن رأيه في مناهضته للإحتلال، وجيش الاحتلال، حيث اعترض على الدِّعاية القائلة: "إِنَّ الجيش الاسرائيليَّ هو الجيش الأكثر أخلاقيَّة في العالم"، ودافع عن حقِّ الفلسطينيِّين في العيش المستقلِّ في وطنهم، وحينها اعترضَت طالبة، يمينيَّة متطرِّفة، على قوله هذا، وبدأت حملة تحريضيَّة عليه، متَّهمةً إيَّاه باليساريَّة المتطرِّفة، والخيانة "وأنَّه يوجد في اسرائيل حكم الإعدام للخونة"! وهذه الطَّالبة طالبت في إحدى مداخلاتها في حصَّة المدنيَّات، "بقذف العرب في البحر" وقدَّمت ضدَّ المربِّي ڤارتا دعوى لإدارة المدرسة، التي قامت باستدعائه، وحثَّته على الاستقالة (الفصل) من المدرسة، لكنَّه أصرَّ على استمراره في سلك التَّعليم، رغم الحملة التَّحريضيَّة عليه والمناوئة لتصريحاته، من قبل الطُّلاب والإدارة، وفي المقابل قامت حملة لدعم المربِّي في حقِّه بالتَّعبير عن رأيه، تألَّفت من طلابه وخرِّيجيه ومدرِّسين ومثقفين يساريِّين حيث رفضوا مقولة المحرِّضين بأنَّه خائن! ونظَّموا بعدها مظاهرة لدعمه، ورفعوا شعار "الفاشيَّة لن تمرَّ" و"آدم ثقِّف لي ابني" و "ممنوع قتل الحوار" و"كلُّنا آدم ڤارتا، ومنهم من قال: أنا أتَّهم إدارة "أورط" ووزارة المعارف والوزير شاي پيرون. وتابع أحدهم: الجُبن والتَّذلُّل هما صديقان جيِّدان جدًّا للفاشيَّة والمكارثيَّة"..
إنَّ هذه الإجراءات "التأديبيَّة" جاءت لِتمنع المعلِّمين من التَّعبير عن آرائهم وأفكارهم وتضيِّق الطَّوق حول هذه الفُسحة "الدِّيمقراطيَّة" أو الحيِّز التَّعبيريِّ الحُرِّ، لخنقه، حتَّى يتماشى مع الإجماع الصَّهيونيِّ في التَّحريض، لتكون المدارس اليهوديَّة لونًا واحدًا وشكلاً وحيدًا ومرتعًا لدعاة العنصريَّة والشُّوفينيَّة والتَّطرُّف، ويصبح كلُّ خارج عن هذا الصَّوت خائنًا وضدَّ الدَّولة وعندها يسهِّل على جهاز التَّعليم تمرير خطِّة العمى السِّياسيِّ المنهجيِّ والموجِّه للهيمنة على تفكير الطَّالبات والطُّلاب، في اتِّجاه واحد ليصُبَّ في مصبٍّ واحدٍ آسِنٍ، في الجوقة الصَّهيونيَّة، لتتغذَّى العنصريَّة والتَّطرُّف اليمينيِّ والقوميّ والحقد على الرَّأيِ الآخر..
إنَّها سياسة كمِّ الأفواه بكاتم الصَّوت، وهذه سياسة إرهابيَّة ضدَّ الآراء الحُرَّة، اليساريَّة الصَّادقة، فإذا كان البعض من شعبنا يعتقد أنَّ "واحة الدِّيمقراطيَّة" هي فقط لليهود، فإنَّه مخطئ، ففي حالة خروج اليهودي عن الاجماع الصَّهيونيِّ، تبدأ الاتِّهامات تنهال عليه من كلِّ صوب وحدب، وكلُّ من يريد إثبات إخلاصه للدَّولة ووطنيَّته يبدأ بتصريحاته العنصريَّة ضدَّ العرب والوجود العربيِّ في البلاد.
إنَّني أرى قصيدة القسِّ نيمولر تتعانق مع قصيدة القائد البطل توفيق زيَّاد، "سرحان والماسورة، حين دعوه للدِّفاع عن البلاد والذَّود عن الوطن، قال: يا ناس خلُّوني بعيدًا عن حكايات الوطن! وقال أيضًا: أنا؟ ما دام جلدي سالمًا ما لي وما للآخرين!؟ وعندما قالوا له: سرحانُ..يا سرحانُ هيَّا إلى الجبال، هزَّ كتفيْه: أنا؟ من أين إن جعتُ ستأتي لقمة الخبز الحلال؟ لكنَّه عندما ذاق الأمرَّين وعُذِّب "ورأت نجوم الظُّهر عيناه" ومشى "على ألواح صُبَّار برجلٍ حافية" وجُلِد بالسَّوط "وهوى العسكر بالسَّوط على ظهرِهِ..نارًا حامية" و"نسَفوا البيتَ" عندها فهِم خطأه، "وساعة الميلاد جاءت هكذا في ثانية" وبدأ مقاومته ضدَّ الظُّلم..
إنَّ معركة الاستاذ آدم ڤارتا والقوى الدِّيمقراطيَّة اليهوديَّة هي معركة اساتذتنا في مدارسنا العربيَّة كلِّها ومعركة جماهيرنا في هذه البلاد، لذلك علينا أن نتكاتف ونتعاضد ونسير معًا يدًا بيد لدحر العنصريَّة والتَّطرُّف والتَّعايش على أساس النِّدِّيَّة في وطن يطوق إلى السلام والمساواة والحرِّيَّة والدِّيمقراطيَّة وينتظر عودة لاجئيه إليه..



حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

القائمة المشتركة خطوة نوعية: يوم أرض... ثانٍ

featured

أمراض الأبهر – AORTA – أمهات دم الأبهر الصاعد

featured

الحرية لأسرى الحرية

featured

هات اختك لأخوي بدالي

featured

مفاجأة روسية "نوعيّة" ثانية بسوريا

featured

العيش لوحدنا، تخيلاً (عندما يٌخيّل للأطراف أنها المركز)