الذي جرى ويجري حتى الآن في وطننا الحبيب سوريا بأيدي المعارضين المسلحين من سوريين وأجانب، مدعومين من حكام عرب رجعيين، ومن حكام دول امبريالية في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ومرحَّبا بهم أيضا ومسنودين من حكام إسرائيل، هو برهان ساطع ودليل ملموس، بان هذه المعارضة مأجورة لأعداء المستقبل العربي المنشود. نعم هي معارضة مستأجرة لتنفيذ اخطر مؤامرة حتى الآن ضد القضية الفلسطينية، وضد تحقيق السلام العادل الذي يعطي كل صاحب حقه، أي السلام الذي سداه ولحمته الشرعية الدولية وقد تم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام العام 1991 ووقعت موافقة عليه إسرائيل والدول العربية المحيطة بإسرائيل. لكن حكام إسرائيل سحبوا موافقتهم بعد عدة شهور عندما انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان مساندًا لقيام السلام العادل الذي يعطي كل صاحب حق حقه ويثمر ذلك سلاما قابلا للحياة والاستمرار.
برأي ان هذا العدوان المسلح المستمر منذ سنتين وعدة أشهر على النظام السوري الحاكم، هو لأنه مخلص للحقوق الوطنية الفلسطينية ولأنه نظام تقدمي وعلماني ووحدوي، وبين الحكام الرجعيين العرب وبينه فارق جوهري في السياسة والأهداف في الموقف على الصعيد الدولي وعلى الصعيد العربي. فالنظام السوري شعاره "الوحدة والحرية والاشتراكية"، وحكوماته منذ عام 1972 تضم وزراء أعضاء في أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، رئيس الوزراء من حزب البعث العربي الاشتراكي والوزراء من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، منها الحزب الشيوعي السوري، وحزب الاتحاد العربي الاشتراكي، وحزب الوحدويين الاشتراكيين – والحزب القومي السوري وأحزاب أخرى جميعها تقدمية وعلمانية ووحدوية، وهذا لا يروق لحزب الاخوان المسلمين، ولكل حزب وجهة سياسية في سورية، تمثل مصلحة الجهات التقليدية المنتسبة تاريخيا للأسر الإقطاعية والتي تتوارث الزعامة والوجاهة منذ أجيال ماضية. منها الذي هو ايجابي ومفيد لمجتمعه ومنها الذي همه ان يستمر في الواجهة ومن الوجهاء في المجتمع. بدون ان يكون له دور رئيسي وملموس في خدمة مجتمعه.
وقد أحببت ان آتي على ذكر ما ذكرته لكي أصل إلى ان أكثرية المعارضين في سورية للنظام الحاكم هم منطلقون من مصالحهم وليس من المصلحة العامة للشعب بأكثريته الساحقة، وللوطن الذي هكذا معارضة مسلحة محتضنة ومدعومة من قطر والسعودية والحكومة التركية لا مصلحة له بانتصارها ووصولها للحكم في سوريا.
لذلك الأكثرية الساحقة من شعبنا العربي السوري، هي ضد هكذا معارضة عميلة ونجاحها يصب في مصلحة إسرائيل والأنظمة العربية الرجعية وفي مقدمتها حكام السعودية وقطر وحزب الإخوان المسلمين الحاكم في مصر. ولذلك السوريون مؤيدون للنظام وقيادته السياسية ويشدون أزر الجيش السوري في مهماته وواجباته. وذلك بفضل وعيهم السياسي وإخلاصهم الوطني وقناعتهم بان وطنهم يتعرض لمؤامرة خطيرة تشترك فيها أنظمة عربية رجعية ودول أجنبية محتضنة للمشروع الصهيوني منذ وعد وزير خارجية بريطانيا "بلفور" ومنذ التوقيع على اتفاق "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا الذي مهد مع وعد بلفور لتمكين الحركة الصهيونية من تحقيق هدفها في العام 1948 بقيام دولة إسرائيل على الجزء الأكبر من ارض فلسطين، ومنذ ذلك الوقت إسرائيل هي الابن المدلل للولايات المتحدة الأمريكية، وجميع الذين يترشحون للرئاسة ولمجلس الشيوخ ولمجلس النواب يتزاحمون على كسب ود إسرائيل لكي ينالوا بالمقابل أصوات اليهود الأمريكان، ومما يفتح الأبواب الواسعة لتمرير سياستهم هذه، غالبية الحكام العرب المتذيلين للولايات المتحدة الأمريكية، وفي مقدمتهم المملكة السعودية وقطر وبقية دول الخليج العربي، حيث هم أتباع لأمريكا بدون مقابل لصالح القضية الفلسطينية على الأقل وكبح جماح الحكام الإسرائيليين التوسعيين والمجهضين لقيام السلام العادل والقابل للاستمرار.
هذا ومن الجدير المجيء على ذكره في هذا المقال ويهمني الإشارة إليه كدليل على المحتوى الفكري والحضاري للسوريين هو الآتي: منذ تحقق استقلال سوريا وجلاء الفرنسيين عن سوريا يوم 17 نيسان عام 1946، الحكومات التي تشكلت في سوريا ضمت دائما وزراء من كافة الديانات والمذاهب الدينية والطوائف في سوريا، كذلك السوريون يتميزون بعمق وأصالة مشاعرهم العروبية الغالبة على أية مشاعر أخرى. والعلاقة بين أصحاب المذاهب الدينية والطوائف المتعددة في سوريا، حيث استمرت طوال الأزمنة أخوية صادقة وعادلة، هذا وعندما احتفلت سوريا باستقلالها وجلاء الاستعمار الفرنسي عن أراضيها في 17 نيسان عام 1946. أعلن رئيس الجمهورية السورية آنذاك شكري القوتلي وهو يرفع بيديه العلم السوري لأول مرة في عيد الجلاء الأول – "لن نسمح ان يرتفع فوق هذا العلم أو بديلا له سوى علم الوحدة العربية مهما يكلفنا ذلك من تضحيات" وجئت على ذكر ذلك للتأكيد على أصالة وعمق مشاعر العروبة والإيمان بالوحدة العربية لدى السوريين اهل بلاد الشام، وهذا لا يدل على اصالة الانتماء العربي فقط بل ايضا هو دليل وبرهان على الوعي السياسي. فالوحدة العربية مهما قل عدد الأقطار التي تنضم إليها، هي الكفيل بتغيير موازين القوة ضد الأعداء الطامعين بالسيطرة على البلاد العربية والاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الهام، ومن خيراتها واتساع سوقها التجاري الخ الخ. فلن تنعدم الذهنية الوحدوية لدى شعبنا أيها الأعداء مهما قست الظروف على شعبنا المؤمن بالوحدة العربية وبالحرية والاشتراكية وبتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقية.
هذا ومن أهم المهمات حاليا بذل كل مجهود ممكن لإقناع المضلَّلين إعلاميا بان دب الخلاف بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة هو لمصلحة الأعداء ولذر الرماد في العيون ولصرف الأنظار عن السلبيات والتقصير في تأمين مصلحة الشعب والعدالة الاجتماعية بين المواطنين في المملكة السعودية وقطر ودول الخليج العربي. ولصرف الأنظار أيضا عن المكتسبات الحضارية والنهج السياسي الصحيح لقادة الثورة الإيرانية ضد النظام السابق للثورة التي أسقطت نظام الشاه الملكي الذي كان عميلا وحليفا للدول الامبريالية كما هو الوضع الآن في المملكة السعودية وبقية دول الخليج العربي، التي تصان فيها المنافع المستحيل إحصاؤها للأسر المالكة والحاكمة ولا تصان فيها حقوق الجماهير الكادحة التي هي الأكثرية الساحقة وهي التي تعمل وتنتج مستلزمات الحياة وتدفع بآليات البناء والتطوير في كافة مستلزمات الحياة.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
