يهودية إسرائيل" بين شرعنة الصهيونية وضمان الديموغرافيا

single

الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية" مطلب جديد لم يطرحه رابين على عرفات في اتفاقية أوسلو

 

لم تخرج الصهيونية العمالية أو المنشقون عنها في الحركة الصهيونية التصحيحية عن تصورات هرتزل لمفهوم اليهودية، وقد رفض بن غوريون قبل قيام دولة إسرائيل إعلان التوراة دستورًا لإسرائيل أو تضمين نص إعلان استقلالها أية إحالة إلى المشروعية الدينية كأساس لها

عندما نشر تيودور هرتزل كتابه التأسيسي للحركة الصهيونية، في شهر شباط 1896، كان عنوانه بالألمانية هو "دولة اليهود"، إلا أنه اشتهر بعنوان "الدولة اليهودية"، الذي كان للترجمة الانكليزية، ثم الفرنسية.
لم يستند هرتزل إلى تبرير ديني للدعوة القومية التي اسمها الصهيونية، بل كان أقرب إلى نظرية جان جاك روسو في "العقد الاجتماعي"، وإلى نظرية الإرادة - المشيئة، التي قالها الفرنسيون ضد الألمان (الذين نادوا باللغة كأساس للقومية) في موضوع مقاطعتي الألزاس واللورين بعد احتلال 1870 الألماني لهما. وهو يعتبر في نظريته حول "الشعب اليهودي"، الواردة في كتابه المذكور، أن الأخير هو حصيلة "لكونه جماعة تاريخية ذات خصائص لا تخطئها العين، تشملنا جميعًا"، إلا أنه يقول أيضًا أن ما يكون ويحدِد أساسًا وعي اليهودي لذاته، في العصر الحديث، هو نبذ الآخرين له، حيث "الأكثرية هي التي تقرر من هم الغرباء"، ليخلص من خلال هذا إلى "نحن ما صنع منا الغيتو"، ومعتبرًا أن الصهيونية وأفكاره ستكون مقبولة "في البلدان التي يسود فيها العداء للسامية".

 

* التعريف الصهيوني للأمة


كانت آراء هرتزل متابعة لمبادئ حركة "أحباء صهيون"، التي تأسست عام 1882 في روسيا إثر المذابح التي حصلت لليهود بعد اغتيال القيصر الروسي في 1881، والتي استنبطت كلمة (إسرائيليين) بدلا من (اليهود)، كما كان ناتان بيرنباوم (أحد قادة تلك الحركة) أول من قال بمصطلح الصهيونية، وقد كان دور بيرنباوم رئيسيًا في المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية الذي عقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897.
من هنا يمكن اعتبار التعريف الصهيوني للأمة أقرب إلى التعابير الحديثة للدعوات القومية، التي لا تربط مفهوم الأمة بالدين بل بـ(القوم) أو (الشعب)، وبالتالي فهي لا تربط كلمة اليهودية بالدين اليهودي بل بالجماعة أو الإثنية التي حملت تاريخيًا هذه الصفة، الأمر الذي قدم تعبيرًا دقيقًا عنه أحد كبار منظِري الصهيونية، وهو جاكوب كلاتزكين، في عام 1918: "لكي تكون جزءًا من الأمة لاحاجة بك للاعتقاد بالدين اليهودي أو تبني النظرة الروحية لليهودية... (القومية اليهودية هي الشراكة) في الماضي والرغبة الواعية في متابعة تلك الشراكة في المستقبل".
في عام 1901 ظهر في وجه هذا الاتجاه، الذي كانت نظرته علمانية وغير متدينة لمفهوم اليهودية والذي سيطر على الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، تيار (الصهيونية الدينية) بزعامة الحاخام الليتواني جاكوب راينس، وهو المؤسس لحركة مزراحي (تولدَ عنها حزب مزراحي في 1918 ثم حزب المفدال في 1956) التي قطعت مع المتدينين اليهود (الحريديم) الذين رفضوا الفكرة الصهيونية (لأن قيام "مملكة بني اسرائيل" مشروط عندهم بمجيء المسيح المنتظر) إلا أن حركة مزراحي، في المقابل، رفضت علمانية هرتزل التي تقول إن اليهود جماعة إثنية، لتعتبر أن "القومية اليهودية" مصدرها الدين وأن ما من أساس غيره كأساس لليهودية، مع رفضها أيضًا لكل النزعات الإصلاحية الخاصة بالشعائر والطقوس والمعتقدات الدينية اليهودية التي كان يتبناها الهرتزليون لمصلحة يهودية أرثودكسية أصولية ممزوجة مع الصهيونية.
لم تخرج الصهيونية العمالية أو المنشقون عنها في الحركة الصهيونية التصحيحية (بزعامة فلاديمير جابوتنسكي بين عامي1925 و1940 وبعده مع مناحيم بيغن في زعامته لحزب حيروت منذ 1948 ولتكتل الليكود بدءًا من 1973) عن تصورات هرتزل لمفهوم اليهودية، وقد رفض بن غوريون قبل قيام دولة اسرائيل (وبعده) مطالب الأحزاب الدينية بجعل التوراة دستورًا لإسرائيل، كما رفض تضمين نص إعلان تلك الدولة، بيوم 14 أيار (مايو) 1948، أية إحالة إلى المشروعية الدينية كأساس لها، وإن كانت هناك إشارات ذات مغزى لما وضع علم دولة اسرائيل وهو يحمل نجمة داود بالترافق مع رداء الصلاة اليهودي، فيما ظهرت المفاهيم المتباعدة لمفهوم اليهودية بين العماليين والحيروتيين وبين المتدينين (أي إن كانت مصدريته قومية أم دينية) لما تم وضع "قانون العودة" عام 1950 واعترض عليه المتدينون بدعوى أنه "يكون المرء يهوديًا متى كان مولودًا من أمٍ يهودية" بينما قال ذلك القانون بأن كل يهود العالم لهم "الحق بالمجيء بصفة مهاجر عائد" سواء كانوا من أمٍ يهودية أم لا، وهو ما استمر وزاد مع هجرة مليون شخص من يهود الإتحاد السوفياتي السابق في العقد الأخير من القرن العشرين والذين لا ينطبق على الكثير منهم ذلك التعريف ليهودية اليهودي الذي تتبناه المؤسسة الحاخامية والأحزاب الدينية.
يلاحظ، في هذا الإطار، أن دعوات رؤساء الحكومات الإسرائيلية سواء كانوا من العماليين (بن غوريون - شاريت - أشكول - غولدا مائير - رابين - بيريز – باراك) أوالليكوديين (بيغن - شامير- ناتنياهو في التسعينات) الى الدول العربية من أجل الاعتراف بدولة اسرائيل لم تكن تتضمن مطلب الاعتراف بها كـ"دولة يهودية"، وهو ما لم يطلبه أيضًا رابين من عرفات في اتفاقية أوسلو، فيما بدأ ذلك المطلب مع شارون في 2004، بعد عام من خطة "خريطة الطريق" الصادرة في30 نيسان (ابريل) 2003، ثم ليستمر ويتكرس مع حكومة أولمرت، وأخيرًا مع نتانياهو بعد توليه في 2009 لرئاسة الوزارة الاسرائيلية ثانية، وهو أمر يبدو أن زعيم حزب العمل باراك ليس خارجه أثناء مسار شراكته الائتلافية في حكومتي أولمرت وناتنياهو.

 

* ماذا تريد إسرائيل؟


السؤال الآن، وهو أساسي: لماذا يطرح الإسرائيليون هذا المطلب، وماذا يريدون منه؟
هنا، من الممكن تقديم تأويلات عدة: أن الإسرائيليين يريدون اعترافًا عربيًا بمشروعية الأيديولوجية الصهيونية (بمطالبها بفلسطين كاملة عند غرب نهر الأردن، أوعلى ضفتيه كما طالب جابوتنسكي)، أي إلى مسافة أبعد كثيرًا من الاعتراف السياسي بذلك الأمر الواقع الذي أصبح على أرض فلسطين بدءًا من يوم 14 أيار 1948؟ التأويل الثاني: يمكن أن يكون التأويل السابق في حالة تراكب بنيوي مع اتجاه صهيوني (عند اليمين واليسار في اسرائيل) يسير نحو "النقاء الديموغرافي"، الشيء الذي ربما يعبر عنه رمزيًا الجدار العازل الذي يوحي باتجاه لوضع دولة في غيتو بعد أن كان الأخير معزلا لأفراد أو لجماعة، وتعبر عنه سياسيًا دعوات الترانسفير (الترحيل) لعرب 1948، وهو ما سيكون أي اعتراف عربي بإسرائيل كـ"دولة يهودية" إما مؤديًا إلى تأمين غطاء رسمي عربي لترحيلهم، أو لوضعهم في وضعية الزنوج أثناء دولة التمييز العنصري بجنوب أفريقيا؟
هناك أمر آخر سيقود إليه أي اعتراف رسمي عربي بإسرائيل كـ"دولة يهودية": تقديم المشروعية السياسية لأي دعوات إلى قيام "الدولة الاسلامية"، وإلى جعل الصراع (الذي لن ينتهي مع أي اعتراف رسمي عربي) مع إسرائيل صراعًا إسلاميًا - يهوديًا، وليس عربيًا – إسرائيليًا، حيث لن يفهم العرب والمسلمون مصطلح (اليهودية) - وبغض النظر عن تفسيرات هرتزل ومن تبعه لهذا المصطلح - بالمعنى الديني وفقًا لما كان يقوله الحاخام راينس مؤسس الصهيونية الدينية، وهو ما سيقود بالتأكيد إلى وضع القرآن في مواجهة توراة "الدولة اليهودية"، وليس ماركسية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولا الوطنية الفلسطينية لحركة "فتح".

* كاتب سوري

قد يهمّكم أيضا..
featured

عليك مني السلام يا رفيق أحمد

featured

المشكلة ليست "هؤلاء المسيحيون.."

featured

عصابات الفتنة في صيدا

featured

أهل الحرب سعداء

featured

الغربلة المطلوبة

featured

متلازمة الكرب التنفسي عند الكهول

featured

في باب الطفيليات