المشكلة ليست "هؤلاء المسيحيون.."

single

كان العنوان الذي تصدر مقالة الشاعر امجد ناصر "هؤلاء المسيحيون الوسخون" في صحيفة القدس العربي مؤخراً مستفزاَ وغير لائق وربما جارحاً ايضاً للعديد من الذين ينتمون الى الطوائف المسيحية والاسلامية ايضاً. و ربما اراداه الكاتب بحجم خطورة الاوضاع الطائفية المتدهورة في مصر مؤخراً ونقداً صارخاً للفساد السلطوي والاجتماعي الذي اوصل الحالة الطائفية في مصر الى هذا الحد. ورغم ذلك  فلم يكن  يصح ان يصدر عن شاعر او عن صحيفة القدس العربي تعبيراً كهذا. 

ولنتجاوز العنوان الى فحوى المقال فهو مقال جريء لا شك يعالج حالة عامة تتجاوز مصر وتتمثل بفساد فكري واجتماعي واخلاقي وتصاعد خطير في التعصب الديني والفئوي ضد الاخر وضد الاقليات بشكل عام في المجتمعات العربية. الخطير في هذه المسألة هو ليس فقط تغاظي الانظمة العربية القمعية عن هذا الجو المشحون بل خلقه وتوظيفه في مناسبات عديدة للتغاطي عن الازمات الحقيقية لهذه الانظمة التي ان لها ان تسقط.

ان الصور النمطية حول المجموعات المختلفة عرقياً،  دينيا،وجنسياً ليست حديثة وهي موجودة في جميع المجتمعات. الخطير في مجتمعنا، وفي مجتمعات اخرى ايضاً، ان التنميط يتخطى الافكار لينتج نماذج متزايدة من القمع الفكري والعنف الجسدي ضد افراد او مجموعات اضعف في هذه المجتمعات وهنا خطورة ما يجري في مصر وخارجها. المثير انه كلما ازداد التمسك بالدين او على الاقل الادعاء بالتمسك بالدين ازداد التطرف والعنصرية بدلاً من التسامح واحتواء الاخر مما يبعث على السؤال: ما دور الدين ورجال الدين في الفتن الطائفية وتفتت المجتمعات؟

يضج مثقفونا بانتقاد الغرب والاستشراق والصور النمطية في الغرب عن العرب والمسلمين والاسلام والشرق الاوسط ومكانة المرأة في الاسلام وفي المجتمع العربي وهلم جرا. وكان الراحل ادوارد سعيد وغيره قد ناقشوا ان خطورة  الاستشراق تكمن في ان الصور النمطية عن الاخر شكل حجة لدى الغرب، وهو القوى عسكرياً واقتصادياً لقرون عدة، من اجل استعمار الشعوب "المتخلفة حضاريا" ونهب ثرواتها وفرض حضارتها على شعوب اعتبرت قاصرا. وحالة نهب فلسطين من قبل الغرب والحركة الصهيونية تندرج في هذا المجال ايضاً. فالصور النمطية عن العرب في الغرب لم تكن مجرد صور عن الاخر المجهول وانما اداة سياسية لعدم انسنة الاخر وبالتالي عدم الاعتراف بشرعية احلامه في وطن واستقلال. وعد بلفور مثلاً تجاهل وجود شعب عربي في فلسطين امتداداً بعدم الاعتراف بالانسان العربي وحقه في الاستقلال وبقدرته على حكم نفسه ولم يعترف الا بأقليات دينية لا يمكن ان تحظى بحق تقرير المصير.

اوافق الاخ ناصر عندما قال ان الجهات المتهمة بتنفيذ الجريمة ضد افراد الكنيسة في مصر قد تكون خارجية ولكن هناك مناخ حاضن في مصر يغذي هذه الاعتداءات. ولكن هذا المناخ ليس حكراً على مصر فهنالك تصاعد خطير في التطرف الديني في العديد من الدول العربية وفي المناطق الفلسطينية وفي العراق وغيرها والامثلة كثيرة لكن العديد منها لا يصل الى الاعلام او الى القاريء لسبب من الاسباب. ان التنميط في حالتنا ليس فقط ديني رغم ان مسألة "النظافة" باتت تتردد كثيراً في المدة الاخيرة.  فالمرأة النصرانية التي حكم عليها بالاعدام في باكستان اسيا بيبي كانت قد اتهمت من قبل نساء مسلمات يعملن معها بعدم النظافة. والمثير حول الحديث عن النظافة ان معظم صور العرب والمسلمين التي تظهر في وسائل الاعلام الغربي تصور العرب باطفالهم وشيوخهم ونساءهم وهم بحالة رثة لباساً  وشعراً مهوشاً واقداماُ متسخة ومخاطاً يسيل من الانف..ممن يبعث في نفس القاريء النفور والاشمئزاز. وكان قد استفزني ان احد الافلام الوثائقية التي تناولت نقاش ادوارد سعيد حول مؤلفاته وبالذات الاستشراق تعج نفسه بصور نمطية سلبية ومنفرة تختزل العرب بصور قبيحة وبحكام العرب المستبدين مما يجعلنا نتسائل ما هو دورنا كعرب وانظمة تعليمية ومؤسسات مدنية ومثقفين واعلام واهالي في المساهمة بكل هذا الجو الفاسد وفي نقل صورة حقيقية مختلفة عما تبرز في الاعلام الغربي الذي بلا شك يتكرس بفعل الجبن والسلبية العربية.

وتتخذ الدول الاستبدادية من فئات متطرفة تخلقها او تدعمها اداة لاعاثة الفساد في المجتمع وزعزعة سلامه الداخلي. وتكمن ماساة الشعوب المقهورة في انها بدلاً من تتحد لاسقاط بؤر الفساد والانظمة الاستبدادية تسقط في فخ هذه الفئات المدسوسة وتتحد ضد نفسها وترى بالاقليات واحياناً النساء او المثقفين اهدافاً سهلة لها فتتلهى بمهاجمة اعداء وهميين هم فئات من ابناء شعبهم بدلاً من التوجه الى محاربة الانظمة. وتخطيء هذه الانظمة على المدى الطويل فهي لا تعي ان بنتيجة الحساب البارد لن تبقى على ما هي بعد انحلال المجتمع وستدفع نتيجة خراب بلادها.

وعلينا في نفس الوقت الا ننجرف في هذه الحالة الى التعميمات والحذر من الفعل الذي قد يقود لردات فعل أسوأ. فإن جميع المصريين الذين شكلوا دروعاً بشرية لحماية المسيحيين في عيدهم ووقفوا سدّا ضد اي هجمات اخرى تذكر الذين يحبون التعميمات ان باب التفاؤل ما زال مفتوحاً من اجل ان تعمل الشعوب بفئاتها المختلفة على نقد وتغيير الواقع وصولاً الى واقع فكري اجتماعي ديمقراطي حر. ولا بد من الوعي الى ان التصدي الى المؤامرات الخارجية لا يمكن ان يتم في حالة تشجع سلخ فئة او اتهمامها بالعمالة او الكفر وغيره بسبب اختلاف الدين او الرأي.

 

 


*كاتبة فلسطينية ومحاضرة في العلوم السياسية - جامعة كوستال، كارولينا الجنوبية-الولايات المتحدة

قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف يكون أبا ورمزا وقد سرق من عمرنا ثلاثين عاما؟!

featured

هذه الثنائية البغيضة

featured

رئيس العليا بتعيين سياسي

featured

مصر في "غرفة الولادة"

featured

لمواجهة ترامب باحتقار علنيّ ومنظّم!