زوجي العزيز جريس

single

بقوة وثبات وعدم تردد وإيمان مطلق بالمرأة كانسان متكامل الحقوق دعمني جريس، بهدوء لم تهزه ضغوط المجتمع الذكوري، ولم يصغ لتعليقات الرجال الآخرين وأحيانا تعليقاتهم الساخرة لأنه بإيمانه بما يفعل أقوى من كل ذلك

 

عذرًا إن كنت أقوم اليوم بما أعلم أنك لا تحبذ، فأنا أراك في ذهني تبتسم ابتسامتك المعهودة وكأنك تقول لي أنا ؟ هذا الحشد من أجلي أنا فأنا كما تعلمين لا أحب المراسيم ولا الرسميات بدءا بربطة العنق والبدلة وانتهاء بحفل تأبين وكلمات.
فعذرًا منك، فرغم كل ذلك أنا أشعر منذ الفراق قبل 53 يوما أنني أريد فقط الحديث عنك وأليك علّني أستوعب هذا الفراق القسري، وعلني أعيد تركيب تفاصيل حياتنا معا التي تناثرت مع هذا الفراق الصعب شظايا ترسم صورا صغيرة وتفاصيل أصغر.
منذ انتزعت من بيننا، حصل الكثير وكما قالت لي بناتنا "الحياة أكملت دورانها، ونحن نعرف أن الحياة تكمل دورانها رغم كل شيء، الا انها لن تعود الحياة ذاتها التي عرفناها".
ومع كل حدث ومع كل تفصيل جديد أذكرك : في ثورة الأحباء في تونس كنت التفت حولي ظانة أنك ستكون هناك لنتحاور حولها ونتناقش، وعندما انطلق الشباب في مصر في انتفاضتهم المهيبة، أتذكر كم كنا نتحدث عن حبنا لهذا الشعب العظيم رغم كل الآفكار المسبقة التي جالت في أذهان من حولنا عنه......وأفتقدك.
يقولون إن الموت صعب، ولكن الأصعب منه هو الشوق لتلك التفاصيل الصغيرة، الشوق لفنجان قهوة وحديث لا ينقطع معك على شرفة منزلنا الصغيرة. الاشتياق لتلك اللحظات التي تحدثني فيها بشغف عن بحر عكا الذي ينبسط أمامنا "مثل البلاطة" على حد تعبيرك.
لقد عرفت يا جريس كيف تقيم التفاصيل الصغيرة في الحياة وأن تجد السعادة فيها، استطعت أن تتواصل وأن تحدد بدقة ما هو المهم وما الأهم وما الذي لا يستحق بأن نهدر طاقاتنا عليه.
ساعات لقائك بالاصدقاء كانت أغلى على قلبك من الذهب وكثيرا ما أثارت غيرتي ولكنني أعترف بأنني أفهمك اليوم فمن الصعب أن يجد الانسان علاقة صداقة في هذه الأيام. واليوم يا جريس بل في الشهر الأخير فهمتك أكثر وغرت أكثر من السابق من هذه العلاقة، فأصدقاؤك يا جريس لم يتركونا، وقفوا ويقفون الى جانبي أنا والبنات ويؤكدون من جديد أن العلاقة التي جمعتكم، صداقة أقوى من أي ظرف وفوق كل مصلحة واعتبار.
أنا متأكدة ان لكل واحد وواحدة عرفوا جريس قصة عنه، جريس الجار الدمث، جريس الصديق، جريس الابن والأخ والأب ولكن لي وحدي يبقى الحديث عن جريس الزوج وشريك الحياة. كثيرا ما قالوا لي كيف من الممكن أن تتحدثي عن ظلم الرجال وأنت زوجة لجريس ؟
اليوم أؤكد لكم أنه فقط من عاشت زوجة له بإمكانها أن تتحدث عن علاقات ظلم داخل العائلة وعن العنف ضد النساء، وعن عدم المساواة لأنني أنا التي عايشت الأمل والنموذج لحياة مختلفة. بقوة وثبات وعدم تردد وإيمان مطلق بالمرأة كانسان متكامل الحقوق دعمني جريس، بهدوء لم تهزه ضغوط المجتمع الذكوري، ولم يصغ لتعليقات الرجال الآخرين وأحيانا تعليقاتهم الساخرة لأنه بإيمانه بما يفعل أقوى من كل ذلك. وما زلت أذكر عندما كان يقول لي " كلما رأيت أحدهم يشد على نفسه ويقول شعارات في حقوق المرأة ويعلي صوته إسألي نفسك : هل يردد ذلك ليقنع مستمعيه أم ليقنع نفسه ؟"
جريس لم يحاول أن يقنع أحدًا ولكنه قدم نموذجا حيا ومثالا يحتذى به بعفويته وتلقائيته المعهودة. عندما تعاهدنا على الزواج اتفقنا أن يكون لكل منا الحق باشتراط شرط يحترمه الآخر ما امتدت بنا الحياة المشتركة، هو اشترط من فرط حبه لعكا أن نعيش دوما في عكا ولا نغادرها وأن نبني لنا بيتا فيها،وأنا اشترطت أن لا يفرض عليّ خلال حياتنا الزوجية في أي حال من الأحوال قرارات تتعلق بنشاطي السياسي والاجتماعي وكنا الأثنان معتقدين أننا تداركنا أي نقطة خلاف مفصلية في حياتنا وكم كنا مخطئين في ظننا فلو عرفت أنت كم سأحب هذه المدينة بعد أن أتعرف اليها من خلال عينيك وكم سأكتشف الراحة في التعامل مع أهلها الطيبين وانني أنا التي أصبحت لا أفكر في العيش في مكان آخر غير عكا لما كنت أضعت شرطك الوحيد فيما هو تحصيل حاصل. ولو عرفت أنا أنك أنت الذي تضع القيود لنفسك في عدم التدخل في قراراتي فيما يتعلق بنشاطي السياسي والاجتماعي وايمانك المطلق أنه حق فردي لي ولأي امرأة على وجه الأرض وأن الحياة الزوجية الحقيقية تبنى على الندية والمساواة والشراكة، لو عرفت كل ذلك من البداية لكنت بحثت عن شرط آخر أشترطه أو لكنا فهمنا بأننا لسنا بحاجة لأي شرط يضمن للواحد فينا حقه داخل هذه العلاقة.
كان يحلو لك دائما يا جريس بأن تناديني " صخرتي" وردد لي جميع من أتى لتقديم العزاء أنني قوية ولكن ما لم تعرفه أنت أو يعرفه المعزون أن جزءا كبيرا من قوتي مصدره أنت، وأنك أنت صخرتي التي كنت أرتكز اليها في الأيام الصعبة، وأنك والبنات الأمر الثابت والدافئ والقوي في حياتي والذي يعينني على أن أقوم بما أقوم به.
لقد اتسع قلب جريس ليسع البشر جميعا وليتواصل مع الناس وكل الناس، الفقير والغني، المثقف والبسيط، الشاب والعجوز والرجل والمرأة والعكي والسخنيني والنصراوي وتسامح ونسى الاساءة وترفع عن المشاحنات فكبر مع هذا الحب ليملأ قلوب كل من عرفه. ليتك كنت هنا يا جريس لترى الآلاف ممن أتوا لتقديم واجب العزاء، ليتك قرأت الكلمات الرقيقة والمشاعر الصادقة التي كتبها أصدقاء وصديقات من جميع أطراف العالم لطالما استضافهم منزلنا الصغير والمتواضع وقابلتهم ابتسامتك الرائعة.
ومرة أخرى علمتني وعلمت البنات بأن أفضل إرث يتركه الانسان وأعظم كنز هو محبة البشر له والذكرى الطيبة.
في الأشهر الأخيرة قال لي جريس أكثر من مرة " الناس تريد سماع الصوت الصادق، الصوت الذي يطرح ما بقلوبهم وأنت لديك مقولة يجب أن تصري على إسماعها " وكأنه بالاضافة الى تعبيره المتجدد عن دعمه لي أراد أن يحملني رسالة وأرادني أن أكمل الطريق.
أعدك يا زوجي ورفيق دربي أنا والبنات، وستكون معنا في كل يوم، أعدك أننا سنكمل الطريق فأنت لم تفارقنا لتبتعد وانما لتختبئ أكثر داخل قلوبنا وأذهاننا.
ستضيء لنا ابتسامتك الطريق وتمنحنا الراحة في أيام التعب.
وستبقى ذكراك عطرة فواحة في أزقة عكا وفي نسيم البحر الذي أحببت، وعلى لسان محبيك وفي قلوب العائلة ما بقيت أسوار عكا.
فنحن اليوم أقوى بألوف الناس من جميع أطياف مجتمعنا وطوائفه وانتماءاته السياسية والاجتماعية والطبقية، الذين غمرونا بحبهم وعطفهم ووقفتهم الرائعة التي تثبت من جديد أننا أبناء شعب واحد نقدر من يقدم من ذاته لمجتمعه وشعبه وأن اختلفت الرؤى والمعتقدات والأيديولوجيات.
نحن أقوى بحب الانسانية، وأن ما يربط البشر في النهاية هي المبادئ الانسانية الواسعة التي تتعالى عن الانتماءات القومية أو العرقية كما تجلت بين روافد المعزين من يهود وعرب وأجانب أتوا ووقفوا الى جانبنا.
وأخيرًا اسمح لي أن أجزل الشكر لك على كل ما تعلمته منك، على كونك أنت بعفويتك وصدقك وابتسامتك الواثقة، وعلى الأمل والنموذج الذي منحتني بأن كل ما أومن به قابل للتحقيق ويجلب السعادة والاستقرار.
واسمح لي أن أشكر كل من واسانا ووقف الى جانبنا وعلى تأكيدهم المجدد لنا ولبناتنا بأن البشر أفضل بكثير مما نعرفه كل يوم وأن الانسانية ما زالت في قلوبنا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليخرس التسريب والتحريض العنصري

featured

الصدر في السعودية.. ما هي الرسالة؟

featured

معركة على ربع الوطن المتبقي

featured

أُمّةٌ بلا ربيع

featured

"روحية ادريس"

featured

امريكا اللاتينية و "الفوضى المحسوبة"

featured

"كلمتي كاملة"

featured

"اعلان الرباط" يدين ويطالب بمعاقبة المجرمين