زرته مباشرة بعد عودتي من السفر، فهو من الأفراد القلائل الذي يعطيك معنى ومغزى ومعرفة وعمقا وتفاؤلا لكل لقاء معه، لوسع تفكيره، ونظرته الفلسفية الجدلية لمجريات الحياة. بالرغم من كل الانتكاسات والتراجعات والنفاق والكذب، والأنانيات وسيطرة المفاهيم العائلية والطائفية، لدى فئات واسعة من المجتمع خاصةً بعد تراجع المفاهيم التقدمية والعلمانية والثورية المتميزة والمثابرة والصادقة، أمام أصحاب الشعارات، ومنظري الصالونات ولابسي ثوب التدين، وناشري الأفكار الأصولية، لقناعته بأن الحياة كالنهر، كل شيء فيها يجري كل شيء يتغير، ومع كل الارتدادات والتعرجات والانتكاسات ستستمر عملية التطور التاريخي للإنسانية الى الأمام حتى وصولها الى مملكة الحرية، كالنهر حتى يصل الى مصبه، البحر الواسع بحر الأمل والجمال والتجدد الدائم.
ولكن هذه المرة وجدته جاهما عابسا غارقا في التفكير.
فقلت له، ماذا جرى ماذا حصل، منذ طفولتنا لم أرك هكذا مهموما، عابسا لا ترتسم على وجهك السموح الابتسامة.
فقال لي: تصور هناك بعض الأقزام يتهمونني بالرشوة، بعد كل هذا العمر الطويل، والمعاناة، والعطاء، والتضحية ودفع الثمن الشخصي وتحطيم الأمنيات الكبرى على المستوى المهني من قبل المؤسسة، وبعد رفض كل المغريات المادية، تجد من يتطاول، ويتهم، ويكذب.
فقلت له: وما ضرك ما يقال فأنت واثق من نفسك، وصحة موقفك دعهم يتكلمون.
فأجابني: لقد صدقت، ولكن أريد أن أؤكد لك بأنني لن ألزم الصمت في حين أرى "المستنقع" يزداد قذارة، ويمتلئ بالنفايات، حتى لو التف حولي عشرات الأفاعي فكل هذا لن يزيدني إلا صمودا وبأسا، وقناعةً بصدق طريقي، لأن من يؤمن بمبدأ ويناضل من أجل مبادئ سامية وقضايا عادلة، لا يروعه ولا يزعزع قناعاته، أقاويل أو ألاعيب، أو افتراءات أو حلقات أو تجمعات، أو رجال مقلوسة أو معممة أو من يمارس النفاق، أو من يتمسح بالرموز، أو من يستعمل مفردات وتعابير لغتنا الجميلة، والتي يشوهها هؤلاء ببؤسهم ونفسيتهم المريضة، بل سأستمر صاعدا الجبال، أما هم فسيذهبون هباء أمام رعدي وبرقي، وسأحمل صليبي الى ما لا نهاية وسأصل القمم أما هم فسيقهرون وستطأهم خطوات خيلي الجموح، فلساني حر وطليق، وسأقول "كلمتي كاملة" فانني وقيمي كالروح والجسد، متحالفان في خدمة الناس، ولاستنهاض الناس من أجل كنس النفايات والشرور والظلمات، فروحي مطمئنة ونجمي يسير في طريقه محاطا بالخط الأحمر لا يطاله أحد.
فقلت له: عندما أجلس مع أمثالك من الذين يختزلون المسافات، ويعتلون الجبال، ويقدسون تراب الوطن، ويعمقون التواصل مع أبناء الشعب الواحد، والإنسانية وأسمع أحاديثهم، فرفاقك كثر، أشعر بأن الدنيا جميلة وستبقى بخير.
