المرحومة ام مصطفى
رحلت أم مصطفى بطلة من بطلات يوم الارض الخالد وكانت ايامها حافلة بالكفاح والكدح من اجل حياة كريمة. هي الحاجة ندى مصطفى نعامنة "ام مصطفى" ارملة الشيخ الجليل الفلاح حسن احمد صالح نعامنة. اطفأت عند رحيلها الشمعة الثالثة والثمانين، كانت حياتها رتيبة وبسيطة عملت بالزراعة مع زوجها، امتازت حياتها بالهدوء والاكتفاء بالقليل والنزر اليسير ومن عرق الجبين. امرأة تميزت عن غيرها من النساء بسجاياها الجميلة وطواياها الحسنة ومعشرها الانيس، وفيّة، صادقة، صدوقة، شجاعة، عصامية، صبورة، مرحة، وضحوكة. لم تخنع لنائبات الزمان بعد رحيل زوجها وقهر الايام متمرّدة جعلت من البؤس فرحا ومن الشقاء مرحا، ومن الحقد حبا، ومن الكدّ في الارض والحقل عشقا، ومن العوز غنًى، كانت قمينة بالمرأة المثالية وجديرة بالمرأة النموذجية.
زوجها الشيخ الجليل حسن احمد نعامنة "أبو مصطفى" ابن الشيخ احمد صالح نعامنه الذي رهن حياته بالارض فلاحا نشيطا فالحا، فقد حياته في ارض المل وهو يزرع حقله على بغلة تجر وراءها المحراث الخشبي- العود والسكّة. انفجر لغم في الارض من مخلفات الجيش البريطاني فروى دمه الطاهر ثرى حقله. ورث الابن حسن احمد نعامنة الارض وحرص عليها ورعاها كما يحرص على بؤبؤ العين. اكسبها استشهاد والده فيها قدسيّة خاصة في نفسه وذاته. سبعون دونما من الارض الجيدة الصالحة والخصبة، وأضحت له معبدا يزوره ويؤدي واجبه فيه بكرة واصيلا، ظهيرة وعصيرة.
ارتبط اسم الحاجة ندى ام مصطفى بالارض مع شريك حياتها قبل يوم الارض ولهما الاثنان في هذا السياق حكايات مثيرة وطويلة لا نستطيع بهذه العجالة ان نفيهما حقهما.
الحاجة ندى لازمت زوجها في السراء والضراء شدّت ازره، وعاضدته وذاقت مرارة شظف العيش وضنك الحياة وقسوة الدهر. اشتغلت في الارض فتعلمت منها الخصب، فاخصبت وانجبت من الابناء عشرة ذكور واناث فمن اهم حكايات الزوجين المليئة بالزخم والاصرار والارادة القوية مقارعة السلطة، ومنازلة الشرطة، عندما حام اخطبوط المصادرة في سماء الارض وسال اللعاب وفاضت الشهية لسلب الارض ونهبها فحاكت السلطات مؤامرة واحسنت حياكتها، ونسجت خيوطها كما يروق لها وفي غفلة من الزمن صنّفت ارض المل الى منطقتين "أ" و "ب" منطقة "أ" تمكّن صاحب الارض من الحصول على تصريح لمزاولة العمل فيها اما منطقة "ب" فلا. فوقعت ارض الشيخ حسن في منطقة "ب" سخر أبو مصطفى من التصنيف الى درجة الاستهزاء وادرك بحسّه الوطني الصافي ووعيه الكبير ان وراء الاكمة ما وراءها وانّ ارضه باتت مستهدفة فاتضحت خيوط المؤامرة واعتبرها او هى من خيوط العنكبوت. عقد الزوجان العزم واصرّا ان لا ينصاعا لذلك القرار الغاشم الظالم مهما كان الثمن غاليا وباهظا، وابتدأت المعركة وابتدأ الصراع بينهما وبين الشرطة والسلطات وامتد لسنوات وايام وكانت المعركة سجالا فاقدمت السلطة من اجل فرض الامر الواقع على الارض بأن غرستها باشتال الصنوبر والسرو فهبّ الزوجان في ليلة حالكة اقتلعا الاشتال وحطماها واحرقاها. وظلت الشرطة تلاحقهما وتطاردهما واوغلت في ملاحقتهما فقدّمت ضدهما تهما 45 ملفا "مخالفة" غُرّما بمبالغ باهظة، جُرجرا واعتقلا وضُربا لثنيهما عن الوصول الى الارض وفلاحتها حتى كلَّ ذات يوم احد القضاة وملّ من استمرار مثول الزوجين امامه وطلب من الزوجين معرفة حقيقة الامر وحيثيات القضية، وقفا شامخين وقصّا للحاكم معاناتهما التي طالت سنوات ظلما وعدوانا وكشفا له خيوط مؤامرة تصنيف الارض "أ" و "ب" كانت الحصيلة ربما بوخزة من ضمير بان اوقف كل الاجراءات ضدهما وحكم ان يكون مصير ارض الشيخ حسن نعامنة مرتبطا بمصير كل ارض المل المصنّفة "أ" والتي اثمرت انتفاضة يوم الارض سنه 1976 بتحرير كل ارض المل 20 الف دونم وذلك باستمرار النضال سنه 1986 لتعود الى اصحابها الحقيقيين.
رحل الشيح احمد حسن نعامنة 1987 وشاهد بامّ عينيه وذاق طعم ثمرة نضاله فرح وغمرته الغبطة وهكذا اجترحا الصعاب وتوجا كفاحهما بيوم الارض الخالد الاول لتجسّد الحاجة ندى نعامنة ام مصطفى دور المرأة وكفاحها وطاقاتها وشجاعتها ببسالة وجرأه نادرتين.
استفاق الشيخ أبو مصطفى مع انبلاج فجر ذلك اليوم عندما تهادى لسمعه رطن الجنود ووقع اقدامهم ونعيقهم وهم يعلنون قرار منع التجول ليزرعوا الرعب في نفوس الاهالي فهب من مرقده، كالاسد خرج من عرينه متحديا ببسالة، اعلان منع التجول وخرج الى الشارع فانقضّ عليه الجنود واقتحموا البيت كالضباع الفالتة طرحوه ارضا واشبعوه ضربا بلا رحمة او شفقة واسبغوه شتما، وراح الشيخ يتخبط بدمه، فانفجر غضب ام مصطفى، وثارت ثائرتها وهبت كاللبؤة تناولت الفأس وهجمت بضراوة وبأس شديدين اذهلت الجنود وكان الفرار من بأسها افضل وسيلة للنجاة فخرجت الى الشارع متحدية الجنود تزأر وصوتها يجلجل يعانق السماء تستنهض الناس للخروج الى الشارع وعدم الانصياع والامتثال الى الامر التعسفي، هبّت الجماهير من شباب ورجال ونساء تلبي النداء وبدأت هناك في الحي الشمالي من القرية حي الجلمة المواجهة الاولى. فالجنود يطلقون الرصاص المطاطي والجماهير تقذفهم بالحجارة وبعد فترة وجيزة من المواجهة كانت الغلبة للجماهير حيث استطاعوا طردهم من الحي وبذلك سجلت ام مصطفى الحاجة ندى صفحة جديدة ناصعة اغنت بها تاريخ نضالها.اذ كان لذلك الحدث الاثر الاكبر في مأثرة يوم الارض الخالد، الحاجة ندى اشعلت النار في حي الجلمة فاستعرت وانتقل لهيبها الى الاحياء الاخرى ليشهد لها القاصي والداني العدو قبل الصديق من اهل القرية عن شجاعتها الخارقة التي اسبغتها على يوم الارض.
شاءت يد المنون ان تختطفها عشية الذكرى السابعة والثلاثين ليوم الارض الخالد،رحلت عنا ام مصطفى جسدا وستبقى حاضرة في اذهاننا، في اذهان الذين عايشوها كاحدى بطلات يوم الارض.
ستبقى ذكراها خالدة كلما هبّت الريح وهطلت الامطار وكلما حل آذار واخضرّت الارض وازهرت الورود وتفتحت الرياحين، وكلما احيت الجماهير العربية الفلسطينية ذكرى يوم الارض، وستظل صورتها وهي تحمل الفأس تطارد الجنود منتصبة أمام أعين الجماهير ماثله في اذهانهم. احبت الارض وعشقتها كعشقها لشريك حياتها وابنائها، فكانت الزوجة الوفية النقية العفيفة، والام الرؤوم بحضنها الدافئ وحليبها الطاهر الصافي، فلاحة ساهمت في حراثة الارض وزرعها، لفحتها الشمس فاعطتها سُمرة وبهاء. رحلت ام مصطفى عنا رحلتها السرمدية الابدية، رحلة اللاعودة وعند رحيلها ابتسمت لها الارض للقياها تحتضنها بين ثناياها وثراها مسجّاة ترتدي ثوبها الاخير ابيض ناصع البياض يلفّ طهرها، وهو يعبق بروائح المسك للزمن الآتي، بكت ام مصطفى عند ولادتها في المهد وابتسمت عند اللحد ادّت واجبها الديني والدنيوي، وديدنها الجدّ والاجتهاد، ودعناها الوداع الاخير نحني هامتنا اجلالا واكبارا واذا كانت الجنة تحت اقدام الامهات فهي من اللواتي جللن الام وبجلنها واوفت العهد للام الارض، فهي حريّة بجنتين.
لتبقَ ذكراها خالدة
ولتتغمدها بفسيح الجنان
(عرابة)
