لفت انتباهي مقال صدر لصحفي يدعى شمعون افيرغان، يقول فيه ان بعض العشائر البدوية في النقب لديها "قدرات إجرامية" وأسلحة كثيرة، وخصوصًا عند قبيلة العزازمة، وانها تسيطر على الطريق الاستراتيجي الإسرائيلي وخطوط إمداد النفط والغاز والتي تستعملها الطائرات المقاتلة لسلاح الجو في النقب، وان بمقدور هذه العشائر البدوية استعمال السلاح ضد القوات الإسرائيلية إذا أقحمت نفسها على تنفيذ مخطط برافر على حد قوله. (مقال د. ثابت أبو راس، الاتحاد).
بنظرنا ان أقوال افيرغان هي هلوسة لأنه لم يشر إلى سابقة في الماضي استعملت عشائر البدو فيها سلاحا ضد القوات الإسرائيلي أو حتى ضد أي مسؤول حكومي ضايق أي بدوي كان.
بالإضافة لا يصدق تلك الأقوال أي عاقل ذلك لأنه إذا تعرض الجيش الإسرائيلي لأي هجوم مسلح سيسحق هذا الهجوم، ولا أظن ان أي بدوي أو أي عشيرة مهما كانت قدراتها يمكن ان تعرض نفسها إلى الانتحار الذاتي أو حتى التفكير بذلك.
أثبتت الأيام والسنين، ان كل عشائر البدو هي مسالمة رغم نهب أراضيها وتعرضها للقمع والاضطهاد أحيانا، زد على ذلك، ان بعض العشائر ترسل أبناءها إلى التطوع بالجيش، والتاريخ يذكر ان بعض القبائل حاربت مع قوات الهاجاناه في حرب الـ48، إذا هل يعقل ان تعتدي العشائر البدوية على القوات الإسرائيلية؟ الجواب لا وألف لا (وللتذكير والإنصاف حتى هذه القبائل لم تسلم من مصادرة أراضيها رغم تعهد إسرائيل قبل قيامها بعد المصادرة).
صحيح ان البدو ومعهم الجماهير العربية ناضلوا ويناضلون الآن ضد مخطط برافر ولكن هذا أتسم وتميز بالنضال السلمي فقط لا غير.
بالنسبة للتحريض على عشيرة العزازمة، هذا ليس صدفة، لأنه بعد ان حاربت هذه العشيرة قوات الهاجانا سنة الـ48، أصبحت مكروهة لدى السلطات الإسرائيلية، وتعرضت للقتل والتشريد والطرد وخصوصًا أثناء حرب الـ48، وأيام الحكم العسكري الذي دام عشرين سنة. أحيانا كان يطرد خارج إسرائيل البدوي من هذه العشائر لأتفه الأسباب، مثل التعدي على شخص من قبيلة ثانية. بالإضافة كان الحاكم العسكري يوعز لوزارة الداخلية بعدم إعطاء هوية لشخص ما من هذه القبيلة وعليه كان هذا يُطرد من البلاد بحجة انه متسلل، وليس عنده هوية إسرائيلية. غالبية هذه العشيرة طُرد إلى سيناء المصرية والأردن ليصبح لاجئًا هناك. يمكن القول ان معظم العشائر البدوية اضطهدت دينيًا وقوميًا وتم السيطرة على معظم أراضيها وتقدر بما يزيد عن المليون دونم حتى الآن تم تهويد هذه الأراضي وأعطيت للمستوطنات التي أقيمت هناك في النقب. كل ذلك هو تنفيذ لسياسة حكومات إسرائيل المتعاقبة وهي مصادرة أراضي بدو النقب وتهويد هذه الأراضي.
التاريخ يذكر انه في الستينيات من القرن الماضي، رُكز البدو في "منطقة السياج"، ومُنعوا من إقامة مساكن هناك وعاشوا في الخيام طيلة أيام الحكم العسكري حتى سنة 1968، وصادر موشي ديان – وزير الزراعة آنذاك من أراضي السياج 600 ألف دونم أي نصف أراضي منطقة سياج التي بلغت 1,2 مليون دونم. البدو نُقلوا إلى منطقة السياج من الأراضي الزراعية الجيدة في مركز النقب وشماله، وأعطيت هذه الأراضي للمستوطنات اليهودية الجديدة التي أقيمت هناك.
بالإضافة لتركيز البدو ومنعهم من التنقل في النقب بحثًا عن المراعي ومصادرة أراضيهم، بُنيت لهم قرى خاصة مثل رهط، تل السبع واللقية وغيرها. امتازت هذه القرى بالبطالة والعنف، ذلك لأنه عند بناء هذه القرى لم يؤخذ بالحسبان احتياجات البدو الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى تقسيم الدار الداخلي لم يكن ملائمًا.
تركيز البدو في القرى كان هدفه جعلهم عمالا عند اليهود. بالإضافة، نُقل بعض البدو إلى مركز البلاد، مثلا بنيت لهم حارة الجواريش التي ضُمت إلى مدينة الرملة، مع الأيام تحولت هذه الحارة مركزًا للسموم والعنف وذلك بسبب إهمال هذه الحارة من قبل بلدية الرملة والحكومة.
سياسة الحكومة تجاه البدو كانت وما زالت هي السيطرة على أراضيهم، وحتى بن غوريون أمر في أيام الانتداب بعدم شراء الأراضي في النقب لان الهاجاناه ستحتل سنة 1948، كل النقب عسكريًا، وهذا فعلا ما حصل. يوجد في النقب عشرات القرى غير المعترف بها وهذه حُرمت من ابسط الاحتياجات الحياتية مثل الماء والكهرباء وغير ذلك. ومُنع فيها البناء ، وهدمت بعض البيوت والدليل الذي سيبقى وصمة عار عنصرية هو هدم قرية العراقيب 54 مرة حتى الآن.
أقيمت في النقب "الدوريات الخضراء" بحجة منع الاعتداء على "أراضي الدولة"، هذه الدوريات تضايق البدو هناك. الحكومة أقامت في السبعينيات من القرن الماضي جهازا قضائيا لتسوية أراضي النقب وقدم البدو لهذا الجهاز أكثر من ثلاثة ألف قضية ارض، وحتى الآن لم يُبت الا في القليل من هذه القضايا والتي طبعًا كما هو متوقع خسرها المدّعون البدو.
وآخر خسارة كانت قضية ورثة العقبي في المحكمة المركزية في بئر السبع في ابريل سنة 2012. خسارة هذه القضية اكبر دليل على ان المحاكم تخدم سياسة الحكومة ولا عدل فيها تجاه كل العرب.
أقيمت عدة لجان لتسوية قضية الأراضي في النقب بين الحكومة وأصحاب الأراضي البدو، ولكن كل هذه اللجان لم تنجح. وحدهم ضعفاء النفوس وهم قلة لا تذكر وافقوا على التعويض البخس. في أيام بن غوريون ، رئيس حكومة إسرائيل، صرح بأنه يجب تشريع قانون لتسوية أراضي البدو في النقب ، أي مصادرتها، وفعلا تحققت فكرته، الحكومة الحالية صادقت على مخطط برافر وذلك لتشريد ثلاثين ألف بدوي لعالم مجهول ولمصادرة أراضيهم التي تقدر بنصف مليون دونم وأكثر.
نرجو في النهاية ونقول انه على مدى أكثر من نصف قرن كان نضال البدو في النقب ضد مصادرة أراضيهم بالطرق السلمية وما زال كذلك، وهذه المرة تساندهم الجماهير العربية واليهود الأشراف وما أقوال الصحافي شمعون افيرغان الا تحريض عنصري على بدو النقب.
(أم الفحم)
