بداية رحلة التناقضات

single

يحلو للبعض بعد ان هلل للربيع العربي او على الاقل تفاءل به ،ان يشكك هذه الايام بثورات الشعوب العربية بسبب ما افرزته نتائج الانتخابات في مصر وتونس من ارتفاع اسهم الاحزاب الاصولية او التي تعرف بتيار الاسلام السياسي، أو بسبب ما تشهده المنطقة من تحركات سياسية غربية تسعى للتدخل الفظ والعسكري احيانا في شؤون الدول والشعوب العربية .
ويعمد البعض في ارتكازه الى نفي مصطلح الثورات أو الهبات الشعبية عما هو حاصل في نسبه انطلاقة الشعوب العربية ضد ظلم واستبداد الانظمة الى المؤامرة الامبريالية، فينفي فجأة الارادة الحرة لهذه الشعوب ورغبتها الحقيقية في تحقيق ما تطمح له من الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ويعتبر المحرك وراء كل ما يحدث هو خطة الشرق الاوسط الجديد او "سايكس بيكو" جديد.
تحرر شعوب المنطقة لازمه دائما مخططات امبريالية قائمة وكان من السذاجة الاعتقاد بأن انتفاضة الشعوب العربية لن يرافقها تدخلات امبريالية – واقليمية تحاول اعادة ترتيب الاوراق واستغلال حالة الغليان الموجودة لاعادة بناء اصطفافات تخدم مصالحها العالمية والاقليمية.
فوز الاخوان المسلمين وارتفاع الدعم الشعبي للقوى السلفية هو تحصيل حاصل ليس لوضعية الثورات وانما لكل ما انتفضت الشعوب لمقاومته، ولترسبات زمن الاستبداد والقمع والتضييق الفكري والاعلامي والسياسي على جميع القوى اليسارية والديموقراطية والعلمانية في العالم العربي.
لقد فرضت النظم العربية جميعها فراغا سياسيا على ساحات العمل الشعبي وزجت بالعمل السياسي المنظم اما في السجون او في المواقع السرية وبقيت الجوامع المكان الاخير المتاح لممارسة العمل السياسي والتنظم الايديولوجي، وأجادت القوى الاسلامية السياسية اللعب في هذا المجال المتاح واستغلال مشاعر الاحباط وفقدان الامل.
واليوم حين تختار تيارات الاسلام السياسي الخروج من مساحة العمل السياسي في الجوامع حيث بامكانها ان تطلق شعاراتها دون نقاش وان تستمد قوتها من "القوة الالهية" سيكون عليها مواجهة احتياجات الناس اليومية واتخاذ القرارات، وستخرج طروحاتها الى العلنية ويصبح بالامكان مقارعتها اما في البرلمان او في وسائل الاعلام،ومن خلال ممارساتها وليس من خلال وعظاتها. امر حتمي ان تقع هذه الاحزاب والتيارات في التناقضات الجوهرية الاساسية وسيكون عليها ان تجيب على اسئلة وجودية لشعوب المنطقة.
حزب النور السلفي المصري قد بدأ رحلة التناقضات هذه عندما اعلن انه سيحترم اتفاقيات السلام مع اسرائيل !! اين ذلك من مواقفه وتصريحاته النارية السابقة في هذا الشأن؟ وهل تغير بهذه السرعة ؟ ام ان قيادته بدأت تلعب اللعبة  الدنيوية- السياسية ؟
انها بداية الطريق، صحيح ان الشعوب العربية ستدفع الثمن من جراء هذه التناقضات والتحالفات الغريبة التي ستنشأ ولكن الثورية الرومانسية فقط هي تلك التي تحلم بغد فعلي يأتي صبيحة يوم الثورة الشعبية بالحلم المنتظر، اما من يتقن فهم مسيرات الشعوب التحررية يعلم ان طريق الالف ميل يبدأ بخطوة، وأن مارد الشعب حين يخرج من القمقم، تصعب عملية اعادته اليه.
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

عنف اقتصادي يجب صدّه

featured

"هدية" الفصح العبري: بطالة زاحفة هرولة

featured

انتخابات الكنيست الـ 19 والنائب محمد بركة

featured

متى ينتهي هذا الكابوس؟

featured

في ذكـرى رحيـل القائـد الشيوعي والشخصية الوطنية توفيق طوبي (ابو الياس)

featured

وداعًا استاذ منير دلال

featured

هي كتاب ضخم صفحاته عطاء

featured

صباح الخير وكل الخير يا "الاتحاد"