رمضان أيام زمان...!

single

لماذا  يبدو الماضي دوما أكثر دفئاً من الحاضر؟ هذه خلاصة تجربة البشر التي امتدت على مساحة أوراق الرواية والتاريخ والسير الذاتية ، لدينا دوماً حنين لزمن مضى، لأن مخزن أحداثه القديمة محشو بأجمل الذكريات التي عادة لا نشعر بها إلا بعد أن يسير العمر مسافة تسمح برؤية تلك الأحداث عن بعد، لم نكن نعيش لحظتها ذلك الجمال،  كأننا نشعر أنها انسلّت من بين أصابعنا خلسة  فنتذكر فقدانها لاحقاً.
دائماً ما كانت  مقولة "الزمن الجميل" تعني الماضي الذي ذهب، هل لأن السنوات تمر ولأننا كنا صغاراً وكان أيامها كل شيء جميل،  كنا مفعمين بالبساطة وبالأمل ولدينا رغبة لطفولة علها تؤنس وحشة حياة أكثر تعقيدا، فترانا نَحنّ إلى المكان الذي مررنا عليه في سنوات سابقة كرغبة دفينة بالعودة لجيل قديم كنا فيه أكثر سعادة، وفي هذا حكم على حاضر أصبح يضع قياساً للسعادة لشعوب العالم فيضعنا في ذيل القائمة، فلا نجد سوى البيت القديم الذي يتسرب منه المطر نحو أسرتنا والشارع الترابي القديم والمقهى القديم ومقاعد القش حين كانت الحياة تسير ببطء يسمح بتذوق رائحة لكل شيء.
كان كل ذلك أجمل من حاضر يسير بسرعة التكنولوجيا والقطار الذي لا يسمح لركابه برؤية الطريق من النوافذ لشدة السرعة، وكأن لم يعد للأشياء طعم ولون ورائحة، فنحاول العودة للماضي لعل في الزمن الجميل ما يمكن من التغلب على واقع أكثر قسوة.
رمضان في الماضي كان درة ذكرياتنا وذاكرتنا التي لم تنغلق على تفاصيل بريئة تخثرت عن زمن ولى تاركاً الأصداء التي تتردد في داخلنا بمرح طفولي طعنته ممارساتنا الجديدة بعد أن أصبح بيننا حكام ومحكومين،  كنا تحت الاحتلال طبقة واحدة تتشابه في الهم والفقر وطبق الطعام البسيط،  كان المسئول يومها هو الذي يضحي من أجل الوطن والشعب لا الذي يحكم ويتسلط على الشعب ويعيش حياة مختلفة عنا.
لم تكن الفضائيات منتشرة حينها،  كان لانتظار الآذان طقوسه الخاصة،  كنا نحن الأطفال نمضي الدقائق الأخيرة منتظرين على الشارع العام المقابل للمسجد،  كانت المئذنة تضاء قبل لحظات من رفع آذان المغرب فنصرخ كلنا على مسمع الحارة قبل صوت المؤذن ونعود لنرى مائدة فقيرة لكنها أثمن من كل ولائم اليوم كان الناس أكثر تديناً وأكثر أخلاقاً بتدينها الطبيعي الذي لم تلوثه السياسة السلطة والمصالح ،  كانت الناس بسيطة و صادقة.
كان الناس فقراء لكن مصروفات رمضان لم تكن تشكل عبئاً على أحد قبل أن تتحول إلى حالة استهلاكية مجنونة، أحدثت فجوة كبيرة بين الدخل والانفاق، زادت من شقاء الناس،  تحول رمضان من طقوس روحية إلى طقوس استعراضية وتجارية، ووقعنا تحت نهم رأس المال وغلاء الأسعار في ظل حالة الفقر التي يعيشها المواطن وهستيريا الضرائب التي تعصر المواطن مثل الليمونة بين فكي كماشة الحكومة والغلاء.
تحول رمضان الأجمل روحياً بطقوسه وتفاصيله إلى رمضان الأثقل اقتصادياً، وأصبح كل هم العائلات كيف تتدبر نفسها، فبالكاد كانت تسير أمورها قبل رمضان،  وهنا مسئولية الحكومات والحكام،  في غزة لم يزف لنا النظام الحاكم ذو الاتجاه الديني بشرى وقف الضرائب ولو مؤقتاً كما حدث في بعض بلاد أوروبا ولا أي شيء له علاقة بتسهيل حياتنا أو ملاحقة الأسعار التي تتصاعد مع الضرائب فتزداد شكوى الناس في هذا الشهر الفضيل لنتذكر كيف كانت طقوسه القديمة مفعمة بالحياة وبلا هموم وبلا طبقات وبلا قلق على المستقبل وخوف من القادم في ظل انعدام الأفق .

//  (غزة)



(نبـأ برس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عمالنا شهداء لقمة العيش

featured

وداعا يا محترم

featured

أصحاب الأرض الأصليين أولى بقسائم البناء في قراهم

featured

للانسان كرامته، من يضمنها؟

featured

يارا وأطوار يرفضان جهاد النكاح

featured

بم يتميز البروليتاري عن العبد؟