الصحفية السورية يارا عباس
غنت فيروز (يارا الجدايلها الشقر) فكانت اغنية رحبانية تمر كالنسيم في الوجدان، وتدغدغ روح الطفولة البريئة التي تأخذنا الى الحلم البعيد، لكن حين كنت ارى الصحافية السورية (يارا عباس) على فضائية الاخبارية السورية وهي تركض وتعد تقاريرها من ميادين القتال بين الجنود والبيوت المدمرة والقناصة والانفاق والموت الذي يترصد الخطوات، مرتدية السترة الواقية ضد الرصاص والخوذة الحديدية، تتكلم بطلاقة وشجاعة وجرأة دون خوف، تسير بين الجنود متحدية المكان والزمان، حين كنت أراها اقول (يارا الجديدة أتت) نعم أهمس بيني وبين نفسي ها هي المرأة العربية الحديثة القوية التي أرادوها داخل اكياس العجز والذعر والخوف والاحباط ويقوم الرجل برسم حياتها والهيمنة عليها كأنه عنتر زمانه.
ها هي يارا عباس وغيرها من النساء يرفضن أن يتحولن الى سلعة تجارية تحت مسميات عديدة وعناوين مخجلة آخرها جهاد النكاح لمن اراد المرأة العربية أن تكون زانية شرعية ترفه عن المعارضين للنظام السوري، كأن النكاح سيمنحهم القوة أكثر والمضي قدما نحو الهدف المنشود. ورغم خطورة الدعوة لجهاد النكاح الذي لم يسبق له مثيلا في التاريخ الحربي الاسلامي والعربي، لم نسمع الصرخة الرافضة المطلوبة والواجبة في هذا الوقت من قبل المؤسسات الدينية ورجال الدين في انحاء العالم العربي، لم نسمع صرخة واخجلاه تزلزل حجارة "الشرف الذي يراق على جوانبه الدم"، والأغرب ان لا تهرع بنات وزوجات وقريبات الذين اطلقوا الدعوة ضمن القوافل اللواتي يردن ارسالهن الى سوريا.
فجأة قتلت (يارا عباس) اثناء تغطيتها للمواجهات بين الجيش السوري والمعارضة بالقرب من مطار الضبعة في القصير، فقد اطلق عليها احد القناصة الرصاص رغم انها ترتدي السترة التي تؤكد انها صحفية، بمقتلها اختفت امرأة جريئة واثقة من نفسها ومراسلة عسكرية ذات حس صحفي مميز، ونعرف أكثر أن مهنة المراسل العسكري كانت حكرا على الرجال، لكن الصبية يارا عباس منحت المرأة العربية طريقا تستطيع أن تبارز وتنجح فيه، أن تكون في خندق الرجل تصف وتشرح وتنقل بثقة وجدارة، لا تخاف ولا ترتعش بل تؤكد للعالم أنها والرجل على خط الشجاعة ومن يحاول أن يقيس قامتها بميزان الانوثة عليه أولا أن يتابع تقاريرها من ميدان القتال ليقول انها تحمل في داخلها صورة المرأة البعيدة عن فتاوى المكعبات الاسمنتية التي يريدون حشرها داخل اسمنت العورات وحديد الاستغلال كي تتجمد وتتحول الى وجوه عابرة في المحيط الذكوري المتحرك.
لكن المخجل ان مقتل الصحافية يارا عباس صنفها في خانة النظام السوري فقط ولم يصنفها كصحافية شجاعة لها ميزة الجرأة والخروج من مستنقع الخنوع، وقلائل من قاموا بنعيها من اتحادات صحافية عربية، ولم تقم الجمعيات النسائية في الوطن العربي بنعيها، أرادوا معاقبتها لأنها كانت تقوم بتغطية فضائية قريبة من النظام السوري ورئيسها بشار الاسد،، كيف تناسوا أنها امرأة !
مقتل يارا عباس ذكرنا بالصحافية العراقية أطوار بهجت التي قتلت أيضا اثناء تغطيتها احداثا في مدينة سامراء، وقد بين الشريط المصور على هاتف جوال حصلت عليه "الصاندي تايمز" قبل مدة كيف تم ذبحها من الوريد الى الوريد، والمؤسف لم نسمع أي عبارات استنكار لمقتلها بهذه الطريقة البشعة كأننا أصبحنا نحن وحد السكين في حالة صداقة حميمية، وخسرنا أيضا أطوار بهجت كصحافية عراقية عربية.
ذات يوم هاجمت رئيسة وزراء اسرائيل غولدا مائير لبنان فرفض رئيس الوزراء اللبناني يومئذ الرد عليها لا احتقارا للعدو ولكن احتقارا لأنها امرأة وقال يومئذ كلمته الشهيرة (ما بحط عقلي بعقل امرأة)! هكذا ينظرون الى المرأة حتى لو كانت رئيسة وزراء.. ويارا وأطوار صورة كاملة متكاملة لنساء عربيات يحاولن الخروج الى عالم التفرد والتميز وترك الحرير وارتداء بزة القتال، ونقل الصورة والحدث من وراء البنادق والدبابات والقنابل والطائرات.
نعترف انه في الحرب القذرة التي تدور في سوريا سقط كل شيء، القيم والانسانية، وسابقا سقط في العراق كل شيء ومع السقوط سقطت المرأة العربية تحت عجلات التهميش والوجع والتشرد واللجوء والذبح في سوريا والعراق وفلسطين وتونس وليبيا وفي كل مكان هي احدى ضحايا الدمار المطلق، فالمرأة في الحروب تكون في طليعة القهر والقمع فكيف اذا كانت المرأة العربية في مجتمعات رجولية طاحنة!! قد يقع على عاتقها توفير الحياة وحماية الاسرة وايضا الندب والنواح والصراخ، وقد يضاف الى اعمالها توفير الانوثة في زمن الحرب للرجال الذين يشتهون المرأة بين الطلقة والطلقة، لكن حين تكون المرأة صحافية يقع على عاتقها التفوق على كل المعايير لأن الرسالة تكون أكبر وأوسع تحمل التفاؤل او تحمل الاحباط، والفضائيات اليوم تواجه الصدق و الشفافية والصراع بينها ليس صراع الكلام العابر بل صراع الاقناع، وكانت يارا ملكة الوصف والحوار والاقناع.
مقتلهما – يارا واطوار – يدخلهما في خانة الصحافيين الذين قتلوا دفاعا عن الكلمة والموقف، وقد يكون مقتلهن دفاعا عن افكار وقضايا آمنتا بها وضحتا من اجلها. في مقبرة الارقام التي تحوي ارقام الصحافيين الذين قتلوا ويحاولون بين فترة وفترة ايقاظ الارقام لكي ينتبه العالم الى هؤلاء الذين يقدمون ارواحهم من اجل الحقيقة، لكن يبقى هناك اختلاف بين هذا الصحافي او ذاك حول نسبة الحقيقة، تعددت الارقام في معركة الحقيقة ويبقى الموت في ساحة المعركة واحدًا.
(يارا عباس) ضحية حالة عربية مسبوقة بالخزي والعار والتفتت المخجل، كأن التاريخ في سوريا يراهن علينا كشعوب فاشلة ساذجة متواطئة لا تتقن الا الخلافات والذبح والسير وراء الدول الغربية التي تخطط لنا، وكلما داسوا على رقابنا كلما تشبثنا برقابهم وصنعنا منها جسورا للذل.
(يارا عباس) من منا لا يخجل حين تبث الفضائيات ووسائل الاعلام العربية والغربية الصور والافلام المخيفة - كأنها مسروقة من افلام خيالية - عن الصراع السياسي الحربي الحيواني الذي يجرنا الى بوابات المسالخ حيث نرى جميع ادوات الذبح والطعن وطرق الموت المتعددة ونشعر ان هناك لذة خفية عند هؤلاء الذين يقومون بالذبح حين يرون انهار الدم، وتتيقن بينك وبين نفسك ان الحقائق غائبة وان شريعة الغاب هي التي تحرك المصالح وان أكبر مصائبنا مصدرها من حكامنا اقزامنا ودبلوماسية العشب التي تحبو فوقها الانظمة العربية.
لا يحارب البرابرة الا برابرة، عبارة قديمة. لكن بربرة الدم العربي وصلت الى الركب في سوريا، ووجه المرأة العربية يغطس في الدم ليتشكل الوجه الذي يتعرى يوميا أمام المجتمعات المستباحة، واذا كان كل شيء مباحا فقل مرحبا للخراب.
(يارا عباس) خرجت من الحياة برأس مرفوع وقامة منتصبة، يكفي انك لم تكوني في العربات التي تحمل النساء اللواتي يحملن وصمة جهاد النكاح.
