على ما يبدو، لقد بات واضحا أن ما تريده حماس هو دولة في غزة مهما كان الثمن. لا يهم ان ينقسم الشعب الفلسطيني على نفسه، لا يهم ضياع حقوقه أولاً بأول. المهم أن تكون لحماس غزة دويلة.. يتفاجأ المرء عندما يقرأ في الصحف عما يطبخه قادة حماس في غزة، وذلك بما يخالف مما نسمعه منهم. كانت قيادة حماس تنادي بتحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر، ولا يعترف زعماؤها بحدود 1967 ويتهمون حركة فتح وقيادة السلطة بالفساد والتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني. كانوا ينتقدون الرئيس محمود عباس بسبب التفاوض مع إسرائيل ويتهمونه بأن قوات الأمن في السلطة تتعاون مع إسرائيل، وبأنه يعتقل أفرادا من حماس في الضفة، وغير ذلك.
وكنا نسمعهم يقولون بأن أمريكا هي المتهمة الأولى والعدو الأكبر. أما اليوم فيتبين انه منذ ان تولى أوباما الحكم وهم يحاولون التقرب من امريكا، وتحدثت الصحف عن اتصالات لأبي مرزوق مع الأمريكيين، وسواء كانت عن طريق طرف ثالث أو أنها كانت اتصالات لجس النبض، فقد حصلت. واما بالنسبة لإسرائيل فإذ بهم يوافقون على حدود 1967، ويقوم رئيس المكتب السياسي في حماس، خالد مشعل، مثلا، باتصالات سرية مع ايهود أولمرت ويوفال ديسكن رئيس مخابرات إسرائيل السابق. وسواء كانت الاتصالات مباشرة أم غير مباشرة فهي مفاوضات على فلسطين. ولم تتوقف الأمور الى هذا الحد فإذ بقادة حماس يقومون بتشكيل قوة خاصة لملاحقة ومنع الذين يطلقون الصواريخ على اسرائيل من غزة من أعضاء حركة الجهاد الإسلامي. أليس ذلك تعاونا وخدمة لإسرائيل وحفظ أمنها؟ وإلا فماذا ستكون الفتوى لشرعنة ذلك؟
إسرائيل تريد انقسام الشعب الفلسطيني، وهذا الانقسام هو ما يقدمه لها قادة حماس في غزة. وأكثر من ذلك فقيادة حماس تعرض على إسرائيل هدنة طويلة الأمد لمدة خمس وعشرين سنة، تكون في غضونها اسرائيل قد تملكت من النيل إلى الفرات. أنا لا أقول هذا الكلام، لأنني أريد من حماس أن تحارب إسرائيل، فأنا لا أريد الحرب إنما من باب السؤال، لماذا انتقاد الغير وهل جئتم بشيء غير الذي جاءت به السلطة؟ إذًا، فإن تفسير ما يجري يكمن في السعي للمناصب والاستئثار بالسلطة، ولو على حساب ضياع القضية الفلسطينية. لا يهم ان يبقى الشعب ألفلسطيني منقسما على نفسه، المهم أن يكون لهنية والزهار ومشعل دولة ومناصب فيها. هذه الحالة تخدم إسرائيل وليس أفضل لديها من الذي يعمل على استمرار الانقسام.
في الوقت نفسه لا يمكننا إعفاء السلطة الفلسطينية من المسؤولية عن هذا الانقسام، لعدم عمل ما فيه الكفاية لإعادة اللحمة. ولكني أحمل حماس الجزء الأكبر من المسؤولية، والذي دعاني الى ذلك هو أنها وبعد كل لاءاتها لم تأت بجديد، بل عادت الى نفس الاستراتيجية. كل مرة نسمع عن مفاوضات مصالحة تعقد بين الفريقين، السلطة وحماس، في مصر، السعودية قطر، ويصل المجتمعون لاتفاق، وبعد ان نتفاءل خيرًا يتعطل الاتفاق وتعود النتيجة الى الصفر. وتعود المفاوضات من جديد. فإلى متى؟ ومن هذا المنطلق فاني أرى بأن القضية ألفلسطينية تدخل منعطفا مريبا ويصبح الأمر مشكوكا فيه.
لهذا فالأجدر إعادة اللحمة وجلوس جميع الفصائل، حول طاولة واحدة، ووضع استراتيجية واحدة موحدة. آن الأوان لأن نتخلى عن أنانيتنا ونفكر بالعمل لصالح شعبنا. أنا أهيب بالشعب الفلسطيني أن يقوم ويخرج عن طاعة هذه القيادات، والالتفاف حول قيادة جديدة واحدة، همها فقط قضية شعبها لا غير، قبل أن تضيع البقية الباقية من مفاتيح العودة ويضيع أصحابها، وآنذاك سينطبق علينا القول: "وما بين حانا ومانا تضيع لحانا".
