الشجاعية. من هنا مرّ الهمَج
تمسمر الفتى الفلسطيني في مكانه حائرًا، دون حراك، كان العرق يتصبب من جبينه ووجهه الطفولي المائل إلى السمار الرجولي، لم يبلغ الرابعة عشرة ربيعًا بعد، كان شاهدًا على منظر غير مألوف لديه. لم يتخيل في حياته ان يصبح بدون مأوى في يوم من الأيام. كانت القذيفة الصاروخية التي أطلقتها طائرة الاف 16 الأمريكية كفيلة بانهيار بيته وعائلته في حي الشجاعية في مدينة غزة البطلة في الحرب العدوانية الأخيرة تموز وآب 2014.
اختلطت حبات العرق المنهمرة في مثل هذا الحر اللاهب مع عدوان تموز وآب على وجه الفتى الفلسطيني هادي، مع دموع الألم والحسرة، والقلب ينزف لكن أبى ان لا يختزل في داخله ما ليس باستطاعته خزنه من الأحزان والحسرات والآلام والأوجاع. فالطريق طويلة مليئة بالأشواك المزروعة على درب التحرر والاستقلال.
احمرت عيناه هادي كثيرًا من هول المشاهد المرعبة التي واجهها وعايشها في الحرب الأخيرة، فقد استشهد والده ووالدته وخمسة من أشقائه وشقيقاته في القصف البربري لطائرات اف 16 الأمريكية الصنع، وإسرائيلية القتل والإجرام، كانت تغير بمعدل غارة كل اقل من خمس عشرة دقيقة، مخلفة وراءها روائح الموت والقتل زارعة حبات الدم كماركة الخراب والدمار في أرجاء حي الشجاعية حيث كان يعيش هادي وعائلته المكونة من ثمانية أنفار. لم يستوعب الفتى الفلسطيني هادي ابن الرابعة عشر ربيعًا معنى الحرب والقتل. وهو لم يدرك بعد، أو لم يستفق من غفوته وأحلامه التي تقاذفتها الصواريخ وشظايا القنابل، بأنه الوحيد الناجي من أفراد أسرته الثمانية. لقد سوت القنابل الانشطارية والعنقودية والصاروخية بيته وعشرات البيوت المجاورة على امتداد الحي والشارع والزقاق بالأرض ومسحته من واقع الوجود وكأنه لم يكن من قبل.
لم تكن نجاة الفتى الفلسطيني هادي من حي الشجاعية في غزة إلا محض صدفة، وقد تكون حكمة ربانية بان الحياة انتشلته من بيت الأموات من أسرته كي يكون شاهد عيان على عمق ووحشية الصهيونية وحكام إسرائيل التي شنت حرب إبادة جماعية على الأطفال والنساء والكهل والأبرياء في قطاع غزة وعلى الشعب الفلسطيني عامة، فحكمة القدر وتنوع الصُدف، ساعة خروج هادي من بيته، فيما كان جميع أسرته في البيت يحتمون ويتحضرون في غرف وزوايا البيت، تارة من همجية طائرات اف 16 وصواريخها القاتلة وأخرى يستظلون من موجة الحر القاتل في مثل هذا الموسم من السنة، سئم الانزواء الروتيني بين جدران بيته، حيث لا ماء ولا دواء، فالحصار والحرب حالا دون ان يمارس حياته العادية، فاختار لنفسه ان يخرج عن صمته وان يمارس حياته الطفولية الممتدة إلى الشبابية مع اصدقائه وزملائه في الحي، فكان على موعد ان يلتقوا معا هو ومجموعة من الفتيان المتجاورين في الجيل والمدرسة والجيرة. متفقين في مكافحة الهم ومصممين على رسم خطوات طريقهم ومستقبلهم في العلم والحياة وما هي إلا دقائق معدودات على التقائهم سوية، حتى تحولت طموحاتهم الشخصية الفردية والجماعية إلى سراب على دوي الانفجارات والهدم والقتل الجماعي.
كان بيت هادي قد أصابته قذيفة صاروخية وتلتها قذائف متعددة لدرجة ان جرى تدمير البيت على أصحابه واخوته وعائلته. كانت المسافة لا تبعد أكثر من 200 متر عن مكان لقائهم، جرى تدمير بيت هادي والبيوت المجاورة في الحي تدميرًا كاملا على ما فيه من البشر والحجر والشجر. صرخ هادي الفتى الفلسطيني صرخات غضب واستنكار كانت مشحونة بالدم والدموع على استشهاد والديه واخوته وإخوانه. وما هي إلا لحظات حتى تحول الفتى الفلسطيني هادي إلى إنسان من نوع آخر، إلى فتى يتيم الأب والأم والأخ والأخت يفترش الأرض المخضبة بالدماء ويلتحف السماء التي تمطر القنابل والصواريخ، لا بيت يأويه ولا كسرة خبز وقارورة ماء ترويه، كانت الحياة قاسية عليه إلى هذا الحد الفاجع والقاتل في آن واحد، لكن الحياة ليست وحدها ففيها الحلو والمر، ومن المر يخرج الحلو، لكن في حالة الفتى الفلسطيني ابن حي الشجاعية الغزاوي هادي وغيره، أراد نتنياهو ويعلون والمؤسسة العسكرية ذوو الفكر الصهيوني قتلة الأطفال، ان يضعوا دم عشرات بل مئات آلاف العائلات من الأطفال والنساء والأبرياء وتسوية أحياء بكاملها بالأرض، إلى إشباع غرائزهم الدموية الشبيهة بغرائز العصابات الداعشية الداشرة في سوريا والعراق والتمرجل على قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت من اجل تحقيق غايات وتحرير سياسات وفرض أنصاف حلول ومفاوضات ومخارج للحصار السياسي الدولي الذي اخذ يتشكل في فترة ما بعد توقف المفاوضات ووصولها إلى طريق مسدود، مما عمق الأزمة السياسية والائتلافية لحكومة الحرب والاحتلال والعدوان، وفي محاولة لاستجلاب الأمن والهدوء لأطفال وسكان غلاف غزة والجنوب وكذلك للمستوطنين غير الشرعيين. لم يبق من خيارات الخراب أمام حكومة نتنياهو واليمين الفاشي بكل وزرائها، سوى سن الحرب وتفصل ماكينة القوة والعربدة في التباهي في قتل أكثر من 530 طفلا وممارسة سياسة الأرض والحرق والإبادة الجماعية للتخلص منهم على شاكلة الفتى الفلسطيني هادي الذي أصبح ومنذ ان وجدت، بل اوجدوا القضية الفلسطينية والطفل والمواطن الفلسطيني يقض مضاجعهم باستمرار وسيبقى يصرخ في عز أحلامهم وكابوس حياتهم، لأن أمن الطفل والمواطن الإسرائيلي وتطوره بالشكل الطبيعي، مرهون بعودة الحق وما سلب من الطفل والمواطن الفلسطيني من حقوق وطنية وقومية وإنسانية.
لم يقبل ولم يرض الفتى الفلسطيني هادي بعد الحرب والقتل والدمار وما زرعته الماكينة الصهيونية في الأرض الفلسطينية من خراب ودمار، بالاسم الذي منحه إياه والداه قبل أربعة عشر عامًا في ولادته الأولى، فهو اليوم ولد من جديد في الشجاعية وخزاعة وجباليا وبيت لاهيا وخان يونس ورفح، اختار لنفسه أسماء عديدة أشهرها وأمجدها نصر، نصرالله، ثائر، نضال، كفاح، جهاد، تحرير، حرية، مجد، أمجاد، منتصر، نصار، انتصار.
صورة هادي لا تناسب المرحلة ما بعد الحرب، فصوره القائمة اليوم تتطلب حياته دم آلاف الشهداء والجرحى ولا تراجع إلى الوراء. ويجب العمل على تعزيز الوحدة والصمود وصيانة الانتصار الذي تحقق بالدم والدموع والألم وتوظيفه في تعميق الوحدة الداخلية على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ورؤية وجه الشمس من عيون أطفال فلسطين.
(كويكات/أبوسنان)
