المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية: أحصد هوا وغمر ماش

single

نقول "يحصد الزرع"، ولكن القول "يحصد هواءً" فهذا يعني أنه يحصد "ما شيء"، أي "ماش". والغمار، وهي أكوام القش التي يخلفها وراءه، ستكون "ماش" (أي ما شيء). ولذلك من يزرع هوا يحصد ماش- لا شيء.
منذ وقت طويل والحديث يدور حول استئناف المفاوضات، وتتفاوت الآراء في نتائجها. وأكثرية الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وأنا من بينهم، غير مقتنع من أنها ستؤدي إلى إقامة الدولة المستقلة والتخلص من الاحتلال والدلائل واضحة: فمنذ  التسعينdات، تجري مفاوضات، ولكنها لم تتمخض عن شيء، فهل يمكن أن يرشح خلال أربعة أشهر، أو حتى سنين، شيء عنها؟.
 تجري هذه المفاوضات كما يريد لها نتنياهو، بل كما يأمر. وهل لرضوخ سيد البيت الأبيض وتحوله إلى النقيض تفسير آخر غير إطاعة للأوامر؟ يقول نتنياهو: بلا شروط مسبقة، إلا شروطه أما "البلا" شروط  هذه فهي مفروضة على الفلسطينيين وحدهم.  ويعتبر حتى وضع برنامج للمفاوضات شروطا مسبقة. إذًا كيف وعلى ماذا التفاوض؟  أما هو فمسموح له الاشتراط، واضعا أمن إسرائيل أولا: إذًا هو يشترط دولة فلسطينية منزوعة السلاح، حيث القوات الإسرائيلية على المعابر وعلى الحدود الشرقية للدولة ألفلسطينية، وهذا يعني فرض طوق على دولة فلسطين في الضفة  كما هو الحال في دولة حماس في غزة. والمفتاح بيد إسرائيل، تغلق وتفتح متى تشاء، وهكذا كنا في حصار واحد فنصبح في حصارين.
ثم هنالك موضوع اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل على أنها دولة يهودية، وهذا أيضا جزء من سياسة التعجيز التي يضعها نتنياهو، والقصد واضح هو إفشال المفاوضات، فهو يعرف مسبقا بأن الفلسطينيين لن يوافقوا على أمر كهذا، فيعمد إلى طلبه كي يرفضه الفلسطينيون فتقع اللائمة عليهم. ماذا يريد اليهود تسمية دولتهم هذا شأنهم، ولا دخل لغيرهم في ذلك، بالإضافة لذلك، فالقدس الموحدة عاصمة إسرائيل للأبد. حق العودة أصبح في خبر كان  وعلى الدول العربية حل حقوق اللاجئين، وليس لإسرائيل دخل بذلك، وبحسب ما جاء في "هآرتس" مؤخرًا، فإن حتى ما كان قد عرضه أولمرت على السلطة الفلسطينية خلال رئاسته للحكومة، لا يُلزم الأطراف. والغريب العجيب أن الإدارة الأمريكية توافقه على كل ما يأمرها به .
إن نتنياهو اليوم هو ليس ذاك النتنياهو في الزيارة الأولى للبيت الأبيض، حيث شهدنا الحفاوة التي استقبل بها،  فقد قام  أوباما بمرافقته حتى باب السيارة ولم يبق إلا أن يفتح له الباب. إن هذا التحول طرأ بعد أن اجتمع أوباما بشخصيتين من يهود أمريكا، أحدهما ممول الحزب الديمقراطي أما الثاني فهو الأديب اليهودي دكتور إيلي فيزل، وكان ذلك  في شهر نيسان/ ابريل من هذا العام، الأمر الذي على أثره غيّر أوباما موقفه وقال إن التفاوض على القدس يمكن أن يؤجل إلى وقت آخر. ما الذي دار، تُرى، في هذين الاجتماعين؟ الله أعلم . على ما يبدو انه لُقّن درسا .
 واهمٌ من يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية تريد إعطاء دولة للفلسطينيين. الدلائل تشير أن إسرائيل تتخبط  في أزمة خانقة تتمثل في وجود ما يزيد عن أربعة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، بالإضافة إلى مليون ونصف فلسطينيي الداخل، وهم متمسكون بالبقاء في أرضهم، سيتحملون الظلم وسيسكنون أرصفة الشوارع،  في حال انتزعت بيوتهم منهم أو هدمت، كما هو الحال في القدس، ولن يستسلموا ولن يغادروا. حكومة إسرائيل لم ولن تدع وسيلة لسلب هؤلاء الناس ممتلكاتهم ، حيث هنالك سماسرة وعملاء، من أبناء جلدتنا للأسف، وحتى بعقود مزورة وبإغراء بالأموال، ولكن كل ذلك لم يحقق النتيجة المرجوة بتحميل هذه الملايين من البشر في شاحنات ورميهم خارج الحدود. من هنا أذًا جاءت موافقة نتنياهو على إقامة كيان للفلسطينيين، ولم تكن كرم أخلاق منه، إنما وسيلة للتخلص إلى حد ما، من الفلسطينيين، بالطبع عن طريق حصرهم في كنتونين كبيرين واحد من صنع أيدينا، في غزة، والآخر سيكون الضفة، ولأن في الإتحاد قوة فقد أوجدوا هذا الانشقاق وشاركنا نحن في إيجاده، هذا الانقسام في الصف الفلسطيني بفضل متعاونينا فاسرائيل مرتاحة له تغذيه وتشجعه .
قد تكتفي إسرائيل بكنتونين مؤقتا لكن وعلى المدى البعيد فهي ترسم الى أبعد من ذلك، فهي ترمي الى أن تكون هذه المنطقة مفككة، بحيث يكون لكل طائفة كيان خاص بها: للمسيحيين حاكورة ولتُسَمَّ دولة، وللشيعة حاكورة، وللسنّة حاكورة، وللدروز مثلها، على أن تكون جميع هذه الحواكير خارج حدود إسرائيل وليس  لديهم  مانع بل يرحبون أن يكون ذلك في لبنان فهو البلد الأضعف في المنطقة وصاحب المؤهلات الأقوى فهو أصلا بلد طوائف، فما يضيره لو استوعب ايضا مسيحيي إسرائيل في حاكورة المسيحيين في لبنان وهكذا الباقون: كل في حاكورته.
لكن في لبنان مقاومة بطلة صامدة تكشف ألاعيبهم، وما يدور اليوم على الساحة اللبنانية من توتر بين الطوائف معنى آخر وهو خلق فتن طائفية، بدأت بمسلسل مقتل الحريري وكان الاغتيال مقصودا ومدروسا، فمن شأنه في النهاية التخلص من المقاومة وتحقيق ما تريده اسرائيل بإنشاء هذه الدويلات. وإلا ماذا؟  رؤساء كثيرون في العالم قتلوا ويقتلون لماذا هنا، بالذات، قامت الدنيا ولم تقعد، ففزعت أمريكا وكل دول العالم تقريبا ومجلس ألأمن وقرروا عقد محكمة دولية للتحقيق. ولماذا لا يحقق في هذه الجريمة أهلها أي الحكومة اللبنانية، وما شأنكم أنتم لو ان لكم غرضًا من وراء ذلك وهذا معناه تدخل في أمور داخلية؟ 
 واللافت للنظر انه والى جانب ذلك  يكثر الحديث في هذه ألآونة بالذات عن الاهتمام  بأوضاع  المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط من لبنان الى العراق إلى مصر حتى جنوب السودان، ورافق ذلك عقد مجمع كنسي في روما لبحت هذا الغرض، وتزامن ذلك مع ما يتعرض  له المسيحيون في العراق والذي ما أظنه إلا مفتعلا . إن ما تسعى إليه اسرائيل لا ينبع من غيرة على المسيحيين ولا على الدروز ولا على أية طائفة كانت، إنما تريده هو  تصفية من تبقى من غير اليهود في إسرائيل وأن تصبح اسرائيل دولة يهودية صرفة. وهذا ما تنادي وتطالب به العالم. الى جانب ذلك تكون اسرائيل قد خلقت كيانات ضعيفة وهذا يسهل عليها أن تبقى هي الدولة المسيطرة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعني حكم هذه المنطقة  .
أما خطة  الكنتونات فهي جديدة  قديمة وقد كانت عرضتها على الرئيس عرفات رحمه الله، وقد رفضها الا انها لم تسقطها من حساباتها وها هي تنفذ. بأيدينا أقمنا كنتون غزة وقد أحكمت الحكومة الاسرائيلية الحصار عليه وها هي تعمل على إحكامه على الضفة ولكن ليس قبل ان تقتطع منه أكبر مساحة ممكنة والهدف من المفاوضات كسب الوقت: مفاوضات.. تعثر المفاوضات.. ويمضي الوقت بين صد ورد، فيتوقف كل شيء ما عدا الاستيطان، وما معنى مفاوضات في ظل استمرار البناء؟ بهذا تتمكن الحكومة الاسرائيلية من دفن بند حدود 1967 والتفاوض على حدود جديدة، هي ترسمها وان كان هناك احد لا يصدق  فها هو سيلفان شالوم يقولها وهو مرتاح بأن ليست هناك حدود 1967 انما الأرض ملك للذي هي بيده. ومع انني متنبه للمزايدات التي تدور بين الساسة في اسرائيل فكل واحد  منهم  يريد أن يظهر وكأنه القمة في حب إسرائيل والمحافظة عليها ومن ناحية أخرى يسرقونها كغيرهم  من الحكام،  بل أسوأ من هذا ما تقوله صحفهم انها في كل يوم تخرج علينا  بفضيحة لمسؤول، ولا يهمهم في سبيل ذلك المتاجرة بشعارات يثقفون  فيها شعبهم على العنصرية والاستعلاء على الغير.
أما أوباما  فقد عاد الى القفص، والدول التي تسمي نفسها بالرباعية والمضحك وشر البلية ما يضحك أن رئيسها هو بلير إياه، حتى انها لم تجرأ أن تعلن البيان الذي كانت تريده أن يكون ويتضمن النقاط التي ستدور المفاوضات حولها. وهنا أتساءل كيف لنا أن نصدق بريطانيا التي هي  سبب كل البلاء منذ البداية.
 والذي يزيد الطين بلة هي الجامعة العربية التي يلجأ اليها رئيس السلطة الفلسطينية ويستعملها غطاء لمعاودة المفاوضات. تجتمع  الجامعة العربية وتكون قد صدرت لها الأوامر من أمريكا بأن تعطي الموافقة على استئناف المفاوضات. ويقول نتنياهو بأن المفاوضات، إذا وافق الفلسطينيون على التفاوض، لن تستغرق الوصول إلى اتفاق وقتا طويلا وها هم جلسوا ولم يخرجوا بشيء والمقصود من كلام نتنياهو هذا هو أن يجلسوا ليس للتفاوض بل ليوقعوا على رؤيته هو. لكن لقد غاب عن ذهن نتنياهو سؤال مهم جدا وهو أين هو الفلسطيني الذي يقدر ويتجرأ على التوقيع على اتفاقية سلام لا تكفل على الأقل الثوابت الفلسطينية؟ اذا كان الرئيس عرفات رحمه الله لم يقم بذلك فهل يأمل نتنياهو من السيد عباس أن يفعل؟ وحتى لو حصل فما "أضرط" من الحبر الا الورق، في حل يرفضه الشعب الفلسطيني. ثم ما هي الشرعية التي يتمتع بها عباس وجماعته وحتى حماس لإتمام صفقة كهذه، هذا لو تحققت؟ لا أظن أنه توجد شرعية لأحد في ظل هذه الانقسامات القائمة القول الفصل في البت وتوقيع أي اتفاق هو للشعب الفلسطيني وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.
إن ما أراه  أن كل هذه المفاوضات على ماش، ولن يتحقق شيء. إن طلبا واحدا للإدارة الأمريكية به تتوسل الى نتنياهو بان يوقف البناء في الضفة لتسعين يوما - وكأنه في نهاية هذه الفترة ستوقع معاهدة سلام - لم تحصل عليه بالرغم  من رزمة المساعدات ألتي ستقدمها لإسرائيل والتي تتضمن احدث الطائرات الحربية، فستة وزراء في الحكومة الأسرائيلية يعارضون الطلب الأمريكي ويقولون "لا" لأمريكا. بينما أمة عربية من المحيط الى الخليج والتي خير أمريكا هو من خير بلاد هذه الأمة،  ولجامعة عربية لا تقدر ان تنطق هذه الكلمة. وسبعة وزراء يؤيدون الطلب الأمريكي وسيعطون موافقتهم عليه مشروطة. ولكن حتى لو وافقت الحكومة الاسرائيلية على ذلك ففي مدة تسعين يوما لن يحدث أي تقدم  وسيجد نتنياهو أشياء عديدة يعرقل بها ذلك، وتنتهي المدة وتخرج اسرائيل هي الرابحة، إذ بحسب ما يشترطه إيلي يشاي للموافقة فقط للامتناع عن التصويت وليس أن يصوت مع القرار، ان يحصل من الأدارة الأمريكية على كتاب خطي تتعهد بموجبه الأدارة الأمريكية أن لا تعود الى الطلب من اسرائيل وقف البناء مرة ثانية بعد انتهاء مدة التسعين يومًا هذه وتكون اسرائيل حرة طليقة تبني أين تشاء ومتى تشاء فهم شعب الله المختار وهذه ارض الميعاد هكذا يقول الرب!!!
إذًا والحالة هذه والسلطة الفلسطينية تعي ما هي نوايا إسرائيل الحقيقية، فلتتخلّ عن طريق المفاوضات وإذا ما كانت هنالك وسائل قانونية دولية لمقاضاة اسرائيل كما تقول انها ايضا ستكون قرارات دولية نعم تفتقر الى وسائل تنفيدية لا يجرؤ لا مجلس الأمن ولا بانكيمونه من تنفيد ذلك اذًا فلتلجأ اليها أو فلترفع يدها ولترح نفسها من هذا العناء ولتتحمل اسرائيل مسؤوليات هذا الشعب تحت الأحتلال كاملة، أمنه وامنها وكل متطلباته الحياتية المعيشية ولتنعم بالدولة اليهودية او تحمل هذه الملايين وترميها خارج الحدود .
إن جميع دول العالم  تعرف أنه لن يخرج عن هذه المفاوضات  شيء وان  الأدارة الأمريكية بالذات متأكدة من ذلك. وفي جريدة هآرتس الملحق الأسبوعي بتاريخ19.11.2010 نشر السيد  يوسي سريد مقالا من بنات أفكاره يتمنى على السيدة كلينتون أن تقول، ولو بينها وبين نفسها أنها وبعد أن اجتمعت بنتنياهو لمدة سبع ساعات، بأنه كان أطول اجتماع في حياتها  ولتعترف بأنه كان مضيعة للوقت فقد قضى نتنياهو هذه ألساعات بالبكاء والولولة وخوفه من شركائه في الإئتلاف من أنهم لن يوافقوا وتتساءل السيدة كلينتون بينها وبين نفسها، لماذا يشكو لي؟ هل هذا هو ذنبي وهل انا من رتب له هذا الائتلاف؟ ثم ينتقل سريد الى قصة الخطر والتهديد الايراني، فتقول كلنتون حسب ما سيناريو سريد، ان نتنياهو في كل اجتماع كان يأتينا  بمطالب جديدة فأولها كان مطلبه حفظ أمن  اسرائيل وعندما اصبحت السلطة الفلسطينية، وهذا بحسب اعترافهم تقوم بذلك، تقول جاءنا بمطلب الاعتراف بيهودية الدولة كشرط مسبق والآن يساومنا ماذا وكم تساوي الهدية التي سندفعها بمقابل الموافقة على مدة التسعين يومًا، فيجب ان تكون الهدية قيمة حتى يقبلها بوجي يعلون!! وإلا. ويطلب السيد سريد من السيدة كلينتون أن تصدق ما قالوه لها مرة ان يعالون يجيد  الحلب وأن تتساءل ان كانت هي بقرتهم؟ ونحن نأمل أن لا تكون امريكا بقرتهم. ثم يختتم السيد سريد تمنياته على السيدة كلينتون فيريدها أن تقول، أرجو أن لا تظنونا أغبياء مع أننا نظهر كذلك فنحن مقتنعون بان نتنياهو لن يضع بين أيدينا ولن يسلمنا خارطة لحدود الدولة الفلسطينية لا خلال ثلاث اشهر ولا حتى ثلاث سنوات ولكننا نصر على الاستمرار في هذه المفاوضات للكشف عن الوجوه الحقيقية.
وها نحن هنا نشارك السيد يوسي سريد بسؤال السيدة كلينتون والإدارة الأمريكية متى تتوصلون الى كشف الوجه المراوغ والذي لا يهمه أن يكذب حتى على أمريكا نفسها ويبتزها، ومن الوجه الذي لا يتردد في التجسس على امريكا، الوجه الذي جرها الى حرب العراق، الوجه الذي يحاول توريطها مع ايران وبالطبع لم يكن ذلك هو وجه السلطة الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني. وسؤالي هنا الى الأدارة الأمريكية اذا لم تكونوا أنتم أغبياء فعلا فالى متى ستدعوننا نحسبكم كذلك؟ ثم متى ستحكمون بالعدل وتحترمون القرارات الدولية وتعدلون في تطبيقها ؟ والى السلطة الفلسطينية والجامعة العربية ورؤساء الدول العربية أما آن الأوان لنا نحن أن نعرف من وما هي الإدارة الأمريكية. كلمة واحدة هي لا غير مصالح متبادلة. ومش النذر للدير والخخخ....على سمعان.

 


 (كفر كنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل باتت إسرائيل أمام إخفاق ميداني في غزة؟

featured

"الأشجار تموت واقفة"

featured

شراكة كاملة ومتوازية

featured

هل أولياء الامور أولياء؟

featured

ألهدم جريمة وسياسة عنصرية ترفضها جماهيرنا

featured

ألذين لا يستحون ما زالوا أحياءً يُرزقون !

featured

كتاب مفتوح للخوري جبرائيل ندّاف