حملة مبادرة جنيف - شيء ما "مش مزبوط"
لا أعرف ما هو تأثير هذه الحملة الإعلامية على الرأي العام الإسرائيلي. باعتقادي المتواضع أن هذا التوجه يعكس ضعفًا لا يناسب الشعب الفلسطيني.. تريدون بارتنر، ممتاز! تريدون شريكًا، رائع! تريدون شراكة، كلام جميل! ولكن لنجعلها شراكة كاملة ومتوازية.
*هنالك قلب للمعادلة في حملة "مبادرة جنيف". فمن رفض السلام، آنذاك وقبل ذلك، وما زال يرفض السلام، ويرفض قرارات الأمم المتحدة، ويرفض مبادرة السلام العربية، ويضع كل يوم لغمًا على الطريق هو حكومة إسرائيل، فلماذا الإيحاء وكأنه يجب أن نقنع الرأي العام اليهودي بجدية كوننا شركاء؟!*
سيسجل التأريخ الموضوعي للأحداث أن الجملة التي قالها "العمالي"- عمالي آخر زمن، إيهود براك، في أعقاب فشل المفاوضات في "كامب ديفيد"، من حيث الجوهر، كانت التوجه الذي أعاد العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية عشرات السنين للوراء، ومن الممكن القول، بعد بحث عميق، وبدون تجنٍ، إنها الجملة التي تتحمل الوزر الأكبر لشلالات الدم المسفوك بغزارة غير مسبوقة، منذ العام 2000 حتى اليوم.
في تلك الأيام الجهنمية، والتي استمرت سنوات طوال، حاول براك، ونجح للأسف، في إقناع شعبه وأوساط لا بأس بها في العالم بأنه لا يوجد طرف فلسطيني مستعد لإحلال السلام العادل. الجملة كانت: "إين بارتنر"، وبالعربية "لا يوجد شريك". وفي ذلك الحين نشأ اصطلاح رهيب مقابل تمثل بالجملة الرهيبة، التي ما زالت مستعملة حتى اليوم بدون أدنى خجل أو مداراة، وهي: "تسريفات همودعوت" وترجمتها هي: "كي الوعي" لدى الفلسطينيين، وبما معناه، ترك علامة "الكي"، بالحديد والنار، في ذهن الشعب الفلسطيني من أجل أن "يعودوا لرشدهم" وأن يوافقوا على الإملاءات الإسرائيلية.
"جريمة" عرفات التي لم يغفروها له كانت رفضه الانصياع لاقتراحات براك. وبدل أن يتم تلخيص المتفق عليه، والتقدم في عملية المفاوضات، خرجت علينا عملية الكي، التي تم التحضير لها، بإتقان وبرأس جهنمي بارد خلال سنوات طويلة، لإنزال أبشع ضربة تم تسجيلها في التاريخ البشري الحديث ضد المدنيين.
أستعيد هذا التاريخ المؤلم الآن، أمام الحملة الإعلامية لمبادرة جنيف، تتمثل في توجه شخصيات فلسطينية مرموقة، قسم منها يحتل موقعًا هامًا في المؤسسات الفلسطينية، للجمهور اليهودي في إسرائيل، بجملة مستقاة من عالم "الفيس بوك"، تقول مثلاً: "صائب عريقات يريد أن يكون شريكك"، وعلى نسق عالم الفيسك بوك، فهنالك مربعان، وبالضغط على المربع الأول بالفأرة، فهذا يعني أنك موافق، بالضغط على المربع الثاني هذا يعني أنك ترفض، والمقصود هنا الجمهور اليهودي.
لا شك أن وراء هذه المبادرة جبل من النوايا الطيبة، وفي حينه، شكلت مبادرة جنيف، في أجواء هجوم شارون الدموي الرهيب على الفلسطينيين، ردًا هامًا ومؤثرًا، على جملة "لا شريك". حيث تبين أن هنالك شريكًا فلسطينيًا، من الممكن محاورته بالكلمات لا بالنار.
لا أعرف لماذا نفرت من هذه الحملة. هنالك شيء ما "مش مزبوط". هنالك قلب للمعادلة، فمن رفض السلام، آنذاك وقبل ذلك، وما زال يرفض السلام، ويرفض قرارات الأمم المتحدة، ويرفض مبادرة السلام العربية، ويضع كل يوم لغمًا على الطريق هو حكومة إسرائيل، فلماذا الإيحاء وكأنه يجب أن نقنع الرأي العام اليهودي بجدية كوننا شركاء.
وثانيًا لماذا لا يوجد من الجهة الأخرى شخصيات إسرائيلية، تقوم بنفس الحملة تجاه الشارع الفلسطيني، هل يوجد رأي عام واحد فقط يجب مخاطبته وإقناعه، (أي الإسرائيلي)، بينما الرأي العام الآخر الفلسطيني كأنه غير موجود. الرأي العام الفلسطيني هو الذي بحاجة لإقناعه بوجود شريك إسرائيلي مستعد للسلام، بعد سنوات الكي الرهيبة من قبل حكومة إسرائيل.
كنت سأقترح، على الأقل، على من ظهرت صورهم في هذه الإعلانات، وأنا أكن لهم الاحترام والتقدير، فهم مناضلون وأسماء معروفة، والأهم أنهم في مواقع رسمية وليست شعبية، أن يشترطوا تنفيذ هذه الحملة بحملة أخرى من قبل شخصيات رسمية إسرائيلية تكون موجهة للرأي العام الفلسطيني. وإلا، وهذا على الأقل، كنت أقترح أن تجري الحملة بوجود شخصيات لا تحمل صبغة رسمية من الطرفين.
على كل حال، لا أعرف ما هو تأثير هذه الحملة الإعلامية على الرأي العام الإسرائيلي. باعتقادي المتواضع أن هذا التوجه يعكس ضعفًا لا يناسب الشعب الفلسطيني- ولا أريد أن استخدم كلمات أخرى لأنني لا أريد ممارسة الهواية الشعبية الرائجة جدًا في أيامنا والمتمثلة بصلب كل زعيم لدينا، اختلف رأيه عنا. هذا التوجه ضعيف ولا يخدم قضيتنا. نحن نريد توجهًا قويًا أساسه أن مصلحة الجمهور الإسرائيلي تتطلب السلام العادل.
تريدون بارتنر، ممتاز! تريدون شريكًا، رائع! تريدون شراكة، كلام جميل! ولكن لنجعلها شراكة كاملة ومتوازية.
