مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية اللبنانية ترتفع درجة حرارة المنافسة ويبرز الفرز الصارخ والعميق بين تحالف مجموعتين من القوى السياسية والطائفية، بين قوى "الموالاة" المؤلفة من مجموعة 14 آذار التي تضم تيار "المستقبل" برئاسة سعد الحريري والحزب الاشتراكي التقدمي برئاسة وليد جنبلاط وتيار القوات اللبنانية برئاسة مجرم الحرب سمير جعجع، وبين قوى الممانعة والمعارضة التي في مركزها قوى المقاومة اللبنانية وخاصة حزب الله و"امل" تيار لبنان الحر المسيحي برئاسة الجنرال عون وتيار كرامة وشخصيات وطنية ودينية من السنة والشيعة. وعمليا فان اتفاق الدوحة للوفاق الوطني الذي اجمع على رئاسة العماد ميشيل سليمان وعلى استقرار نسبي على سطح تطور الاحداث الا ان هذا الاتفاق لم يؤد الى المس بجوهر البنية السياسية للدستور اللبناني فيما يتعلق بطابع الحكم التنفيذي والتشريعي. فقد بقي الطابع السائد يتمحور حول المحاصصة الطائفية والمذهبية واحتضان واخفاء الهوية السياسية والاهداف السياسية من خلال العباءة الدينية. كما ان الاتفاق لم يغير من طابع الانتخابات البرلمانية بشكل جذري اذ ستجري الانتخابات وفق النهج المنطقي النسبي الطائفي، أي وفق الولايات الانتخابية المتعددة وليس على اساس اعتبار كل لبنان منطقة انتخابية واحدة وهيمنة النهج النسبي المطلق لتوزيع المقاعد البرلمانية وحقيقة هي ان الحزب الشيوعي اللبناني وبعض القوى الوطنية التقدمية الحليفة معه لها موقف ناضلت ولا تزال تناضل من اجله، تناضل من اجل تغيير طريقة الانتخابات القائمة على المحاصصة الطائفية وعلى نهج تعدد الولايات والمناطق، لان هذه الطريقة غير دمقراطية ولا تعزز اولوية الانتماء الوطني بل تساعد على تمزيق الوحدة الوطنية مقابل تأجيج التوتر الطائفي والسياسي. كما ان هذه الطريقة المنطقية للانتخابات البرلمانية تجعل من الصعوبة بمكان وصول تيارات واحزاب غير طائفية رغم حضورها الكبير على الساحة اللبنانية وفي المعترك الكفاحي، مثل الحزب الشيوعي اللبناني من الوصول الى عضوية البرلمان، بينما لو كانت طريقة الانتخابات نسبية لكانت التركيبة للبرلمان اللبناني تختلف تماما ولدخل الحزب الشيوعي المعترك البرلماني ولأوجدت التربة الجديدة بنية حزبية سياسية تضعف كثيرا المحاصصة الطائفية. واضافة الى كل ذلك فان اتفاق الدوحة لم يغير جوهريا من طابع الهوية الوطنية لكلتا المجموعتين او كلا التيارين المتصارعين، فتحالف 14 آذار بقي متمترسا في موقف الولاء المدجن في حظيرة الاستراتيجية الامبريالية الامريكية والفرنسية والاستعداد لان يكون لبنان حبة في مسبحة السلام الامريكي – الاسرائيلي الذي ينتقص من ثوابت الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية والعربية. اما تحالف قوى المقاومة والمعارضة فموقفها مناهضة الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية في لبنان والمنطقة وتعزيز العلاقة والتحالف مع سوريا وايران وحركات المقاومة ضد الامبريالية والانظمة الرجعية في المنطقة.
وفي مثل هذه الاوضاع فان الانتخابات البرلمانية اللبنانية تكتسب من حيث مدلولها السياسي وما يتمخض عنها اهمية سياسية كبيرة تتعدى الحدود الوطنية اللبنانية. فنجاح قوى 14 آذار في الانتخابات وتأليف الحكومة المقبلة يخلق اوضاعا حبلى بالمخاطر الجدية، بخلق اوضاعا لتجريد المقاومة اللبنانية من السلاح الامر الذي يعني تفجير صراع دموي لبناني – لبناني قد يصل الى تفجير حرب اهلية كارثية في لبنان. كما ان وصول تحالف 14 آذار الى اكثرية برلمانية ساحقة وتأليف حكومة داجنة سيساهم في دفع عجلة المشروع الامريكي باقامة "الشرق الاوسط الجديد" المدجن امريكيا – اسرائيليا، يدفع مركبة التطبيع الاسرائيلي – العربي على جثة الحق الوطني الفلسطيني المشروع بالحرية والدولة والقدس والعودة. ولم تخنا الذاكرة لننسى الجرائم ضد الانسانية والشعب الفلسطيني الذي ارتكبها المجرمون الجزارون الاسرائيليون وعملاؤهم ضد الفلسطينيين واللبنانيين في حرب الاثنين والثمانين من القرن الماضي، لن ننسى ولن نغفر للمجرمين مجزرة صبرا وشاتيلا وان المجرم سمير جعجع من اركان تحالف الرابع عشر من آذار.
ان العديد من الدلائل والمؤشرات تؤكد رجحان كفة قوى المقاومة وتحالف المعارضة، وان قوتها البرلمانية ستزداد، وهذا ما يقلق اعداء المصلحة الحقيقية للشعب اللبناني، وخاصة الدوائر الامبريالية الاسرائيلية والامريكية. وتنشط هذه القوى بمختلف الوسائل المباشرة وغير المباشرة للتأثير على المسار الانتخابي من خلال التدخل الفظ في الداخلي اللبناني ولصالح قوى الرابع عشر من اذار وضد قوى المقاومة اللبنانية.
* الارهاب الاسرائيلي والامريكي
اسرائيل الرسمية لا تريد التسليم بهزيمتها وعدم تحقيق اهدافها السياسية والعسكرية المركزية في حرب لبنان الثانية في حزيران الفين وستة. وشنت حرب الابادة الهمجية على قطاع غزة التي احد اهدافها استعادة الثقة المفقودة للجيش الاسرائيلي في الحرب ضد المقاومة اللبنانية. وخلال السنوات الثلاث منذ انهاء الحرب على لبنان لم تتوقف العدوانية الاسرائيلية عن استفزازاتها ضد لبنان وبهدف خلق حالة من عدم الاستقرار والامن في لبنان وخلق البلبلة واجواء من الارهاب والرعب في نفوس الشعب اللبناني باحتمال عدوان اسرائيلي مرتقب. فخرق اتفاق وقف النار بانتهاك الطائرات الاسرائيلية – امريكية الصنع للاجواء اللبنانية اصبح من الانتهاكات "الروتينية" للبلطجة العدوانية الاسرائيلية العربيدة، وكوسيلة استفزازية لاستدراج قوى المقاومة الى صدام غير مستعدة له.
وتحاول اسرائيل الرسمية وتعمل على التدخل الفظ في الشأن اللبناني الداخلي للتأثير على مجرى ونتائج الانتخابات لصالح قوى الرابع عشر من آذار. فالكشف من قبل اجهزة الامن اللبنانية وبالتنسيق مع اجهزة امن ومخابرات حزب الله عن شبكات التجسس العميلة للموساد الاسرائيلي في لبنان قد عكس عمليا بعض ملامح الدور الاسرائيلي مع خونة الشعب اللبناني من اللبنانيين على الساحة السياسية اللبنانية. فمهمة شبكات التجسس وانتشار الجواسيس في مختلف مناطق لبنان تتمحور، كما كشفت المصادر الامنية اللبنانية، على خلق البلبلة عن طريق التفجيرات والاغتيالات ورصد اماكن تواجد قادة حزب الله من الشيخ حسن نصرالله وغيره بهدف التصفية والاغتيال. كما ان مهمة الجواسيس رصد ونقل المعلومات الدقيقة عن تسلح حزب الله والمواقع الاستراتيجية العسكرية والمدنية بهدف تدميرها كما دمر الطيران الغازي الاسرائيلي وبمساهمة العملاء مواقع كهذه في الحرب الاسرائيلية – الامريكية على لبنان سنة الفين وستة. وقد اتضح من المعطيات التي كشفت عنها المصادر الامنية اللبنانية ان قائد احدى شبكات التجسس هو المسؤول الاعلامي في حزب المستقبل الذي يترأسه سعد الحريري، فهذا الجاسوس عميل الموساد الاسرائيلي باع مصلحة وطنه ونفسه بالدولارات المخضبة بدماء الضحايا اللبنانيين.
كما انه في نهاية الاسبوع المنصرم قامت اسرائيل بأوسع مناورة عسكرية جوية على الحدود الشمالية مستعرضة مختلف انواع الطائرات النفاثة الامريكية الصنع ومدى قدرتها على التدمير والقتل. واختيار اجواء المنطقة الشمالية المحاذية للحدود اللبنانية ساحة للمناورة ليس وليد صدفة بل وسيلة لارهاب الشعب اللبناني والجنوب اللبناني الصامد عشية الانتخابات البرلمانية وتحذيره والايحاء له ان انتصار قوى المعارضة وفي مركزها حزب الله قد يغضب اسرائيل العدوان ويستدرج غزوا اسرائيليا مدمرا.
اضافة الى تدخل اسرائيل في الداخل اللبناني للتأثير على نتائج الانتخابات لصالح قوى الرابع عشر من اذار يبرز بشكل سافر التدخل الامر يكي، فاضافة الى السفارة الامريكية التي تحتضن تيارات الرابع عشر من اذار فان الزيارات المتعددة لمسؤولين امريكيين في الادارة والكونغرس الامريكيين من هيلاري كلينتون ونازل يتعمدون ان تكون لقاءاتهم احادية الجانب مع المسؤولين في تيارات تحالف الرابع عشر من اذار وتجاهل حزب الله ومختلف قوى المعارضة. وقد كان نائب الرئيس الامريكي بايدين الذي يزور لبنان بمهمة سياسية صريحا جدا في التعبير وبكل وقاحة عن التدخل الامريكي في الشأن الداخلي اللبناني والدعم السافر لمعسكر الرابع عشر من اذار ومعاداة قوى المقاومة والمعارضة اللبنانية. فمن تصريحات بايدين التي ادلى بها يوم الخميس الماضي في بيروت واثناء لقاءاته مع سعد الحريري وغيره من قادة 14 اذار وتجاهل مقابلة ولقاء أي من قوى المعارضة، من تصريحاته "ان امريكا شريكة في الدفاع عن لبنان وفي تقوية الجيش اللبناني"!! وبالطبع لا يقصد بايدين حماية امن لبنان والدفاع عنه في وجه العدوان الاسرائيلي، بل يقصد المقاومة اللبنانية، ضرب المقاومة والضغط على سوريا وايران، وكان اكثر صراحة في تأكيده وتصريحه "ان مساعدتنا الامريكية للحكومة اللبنانية ستكون مرهونة وبناء على سياسة هذه الحكومة"!! ومدلول هذا التصريح الاستفزازي الوقح ان يا شعب لبنان ادعم وصوت لتحالف معسكر الرابع عشر من اذار لتحظى بالمساعدة الامبريالية وحذار من التصويت لقوى المقاومة والمعارضة.
املنا كبير بدرجة وعي الشعب اللبناني وقدرته على تخييب آمال اعداء مصلحته الوطنية والمتآمرين على وحدته الوطنية الكفاحية، ولييكن النصر حليف من هو اهل له ومن هو اهل لصيانة الوجه الوطني والحضاري للبنان المستقل فعلا بعيدا عن تأثيرات التجاذبات الاقليمية، وخاصة صيانة لبنان من مخططات ومؤامرات محراك الشر الامبريالي – الاسرائيلي والقوى العربية المتواطئة معه.
