اضراب تجاري في مدينة رام الله تضامناً مع الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الاسرائيلي
*السؤال المطروح على الجميع هو كيف يكون الاضراب وسيلة نضالية وليس عقابا نعاقب به بعضنا ضمن تقاذف المسوؤليات احيانا، الاضراب ليس لخلق حالة تباين والنقاش من الاطراف كافة هو مشروع ومهم، التجار من خلال الغرفة التجارية القطاعات الاخرى اطراف العلاقة لكي لا يصبح الاضراب او غيره من الانشطة والاشكال ضارة ومضرة وتخلق حالة تباين بين مختلف الاطراف، التي تحتاج الى ورشة عمل موسعة لتوسيع النقاش وهامش الحراك المجتمعي لمختلف تلك الاطراف*
منذ ما يزيد عن 47 يوما يواصل الاسرى الاداريون اضرابهم المفتوح عن الطعام فيما تنضم اليهم افواج واعداد من الاسرى المحكومين في سجون عدة للاعراب لزملائهم عن وقوفهم معهم في معركة الامعاء الخاوية التي يخوضونها رفضا لسياسة الاعتقال الاداري التي تعمل بها دولة الاحتلال منذ احتلالها وتم تبنّيها من قوانين الانتداب البريطاني في اربعينيات القرن الماضي وحتى الآن، وتم زج آلاف من ابناء الشعب الفلسطيني في السجون دون تقديم تهمة او محاكمة احيانا لا بشكل صوري احيانا بفعل هذا القانون، كما جرى تمديد الاعتقال الاداري لسنوات عدة للبعض الآخر وهي عقوبة جماعية وفردية قد يقع ضحيتها أي انسان يعيش فوق هذه الارض بدون ان يعرف حتى سبب اعتقاله وانما لمجرد انه فلسطيني.
ومن ميزات هذا الاضراب مقارنة مع اضرابات اخرى انه اضراب سياسي وليس مطلبيا بمعنى انه لا يسعى لتحسين ظروف الحياة الاعتقالية بزيادة وتحسين وجبات الطعام مثلا ولا حتى زيادة الاغطية او تحسين ظروف الزيارة او زيادة الكانتين وانما يهدف الى تغيير قانون ظالم جرى العمل به لسنوات طويلة، المعركة عنوانها القانون واجهزة الامن الاسرائيلية التي تسعى لاستمرار تطبيق هذا القانون بكل قوة، ومن هنا تأتي تصريحات المستوى السياسي لعدد من وزراء حكومة اليمين " دعوا الاسرى يموتون جوعا " فالاستجابة لمطالب الاسرى يعني ان صفحة هذا الملف قد طويت في حين تراجع الاسرى وفشل الاضراب يعني ايضا انهاك قوة الحركة الاسيرة وتراجع اية خطوات نضالية مستقبلية لها وهو ما يحمل في طياته عواقب وخيمة لانكفاء العمل النضالي الذي يخوضه الاسرى، كل طرف بات يدرك الآن ان التراجع لم يعد واردا، عودة الاسرى للوراء ستحمل وبالا يطال الكل المعتقلين ومستقبل نضال الحركة الاسيرة برمتها، وتراجع الاحتلال سيدفن للابد موروثا جرى اعتماده كأحد اعمدة السياسة الاحتلالية ضمن مسلسل عقوباتها المتواصل.
ومع ضعف الحالة الشعبية المساندة التي لم ترتق لمستوى المعاناة التي يعيشها الاسرى الذين بدأت علامات تنذر بخطر داهم على حياتهم تظهر بشكل يومي فقدان شديد للوزن وإغماءات متتالية، تغير في لون البشرة، ضعف عضلة القلب وتراجع عمل اجهزة الجسم المختلفة وغيرها من المظاهر الاخرى، فحجم الفعاليات لم يكن بالمستوى المطلوب، هناك حراك ضعيف ومشتت وغير قادر على محاكاة الواقع المؤلم الذي يعيشه الاسرى، فعاليات يومية ولكنها متناثرة، وعشوائية وتمتد على مدار اليوم بمشاركة العشرات في احسن الاحوال بعيدا عن جَلد الذات ورغم اهمية هذه الفعاليات في الوقت ذاته ولكن الهدف ان تتواصل وتتوسع وتمتد لتصل الى هبة شعبية عارمة توصل رسالتها للقاصي والداني ان الشعب الفلسطيني بقطاعاته وشرائحه وتلاوينه السياسية كافة يقف الى جانب الاسرى في هذه المعركة التي يتفق الجميع بأنها فاصلة على المستويات كافة.
*لمن نوجّه الاضراب؟*
الا ان اللافت في الحراك الجاري وما استوقفني بالكثير من الملاحظات ايضا هو الدعوات للاضراب الشامل وهنا لا بد من الاشارة الى العديد من هذه الملاحظات التي منها على سبيل المثال مصادر الدعوات فهناك جهات عديدة دعت لاضرابات منها "مي وملح" والقوى الوطنية والهيئة العليا للاسرى والدعوات في ايام مختلفة بمعنى غياب التنسيق وتكامل الجهد يؤدي الى نتائج عكسية ويخلق حالة من التذمر في اوساط قطاعات مختلفة لا سيما التجار واصحاب الورش والمصانع والشركات.
ثانيا كان الاضراب خلال الانتفاضة المجيدة الاولى عنوان تحدٍّ للاحتلال وتعبيرًا عن حالة جمعية يعيشها الشعب الفلسطيني في رفض وجود الاحتلال اما اليوم فلا يوجد مظهر احتلالي "دائم" داخل المدن والمخيمات مع ان الشعب والسلطة ما زالا تحت الاحتلال بطبيعة الحال والسؤال لمن نوجه الاضراب في هذه الحالة؟ وهو في الحقيقة النقاش الذي شغل حيزا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مع اطلاق الدعوة للاضراب يوم أمس الاحد 8-6 ودعوة اخرى لاعتبار يوم غد الثلاثاء، يوم اضراب ايضا وللاجابة على السؤال لا بد من الاشارة الى ان حالة الضعف الراهنة وغياب القوة التي تقود الشارع وتشكل قوة جذب وتأثير له تقود الى العديد من الاشكال التي بمجملها تشكل فعلا ولكن لا يكون بمعظم الاحيان بحجم الفائدة المتوخاة ولا يحقق النتائج المرجوة منه مع اهمية الحفاظ على اشكال العمل الملتزمة والواعية وذات البعد الوطني الصادق.
وسؤال آخر ما هي الفائدة التي ستعود على الاسرى من اغلاق البلد، هذا ايضا سؤال مشروع والاجابة عليه ليست ابيض او اسود فبرغم معارضتي الشخصية لان يكون الاضراب اداة عقاب جماعي وسيف مصلتًا على رقابنا الا انني اعتبر هذا الاضراب ضمن قراءتي المتواضعة حالة تشاركية عامة نعود معها للاحساس الجمعي بان الهم العام لنا جميعا هو الاحتلال بكل ادوات قمعه ومسمياته، وهذا يعطي احساسا قويا بقوة المشاركة عندما نتساوى جميعا ولو ليوم واحد في حالة نعيشها معا، واهمية الاضراب في هذه الحالة ايضا انه يرسل رسالة للاحتلال وللاسرى الذين هم في امس الحاجة لرفع معنوياتهم في الحظات الحرجة التي يعيشونها امام استمرار اللامبالاة من قبل ادارات مصلحة السجون.
وفي تفاصيل الحالة والتوحد الوجداني ان جاز القول تكمن اهمية الاضراب الذي اتخذ قراره على طاولة الاطار المركزي للضفة الغربية بحضور معظم فصائل العمل الوطني و الاسلامي، فالاضراب ليس يوما للعطلة او الاجازة وانما حسب رأيي المتواضع ارى فيه يوما نضاليا بالامكان ان يعكس صورة حضارية رائعة بالمعاني والدلالات، هذا الفهم المتواضع يستند الى تحويل الاضراب الى اداة كفاحية بان تقف كل مؤسسة او شركة او نقابة أمام المبنى الخاص بها ترفع الشعارات التي تقف مع الاسرى وتشد على ايديهم على امتداد الشوارع والازقة في المدن كافة بينما تتوجه وفود اخرى الى خيم الاعتصام في مراكز المدن ويقف التجار يحملون ايضا الشعارات في وقفة تحمل معاني الاسناد للاسرى، غياب مظاهر الحياة العادية ليوم والحديث عن مآثر الاضراب وبطولة الاسرى وجوعهم وشل الحركة التجارية بما فيها للمطاعم والمقاهي كلها ليست بلا معنى على العكس اذا احسن استغلالها فهي احد الاسلحة الهامة التي جربت فيما مضى وكانت ذات فعالية في مواجهة الاحتلال.
* الاضراب وسيلة نضالية وليس عقوبة!*
السؤال المطروح على الجميع هو كيف يكون الاضراب وسيلة نضالية وليس عقابا نعاقب به بعضنا ضمن تقاذف المسوؤليات احيانا، الاضراب ليس لخلق حالة تباين والنقاش من الاطراف كافة هو مشروع ومهم، التجار من خلال الغرفة التجارية القطاعات الاخرى اطراف العلاقة لكي لا يصبح الاضراب او غيره من الانشطة والاشكال ضارة ومضرة وتخلق حالة تباين بين مختلف الاطراف، التي تحتاج الى ورشة عمل موسعة لتوسيع النقاش وهامش الحراك المجتمعي لمختلف تلك الاطراف، التشارك في الموقف يعطي مدلولا بالغ الاهمية حول التشارك في المصير والهدف وهو في نهاية المطاف انهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني الذي من اجله ذهب هؤلاء الاسرى الى عتمة الزنازين من اجل تحقيقه والوصول اليه، ذهبوا طوعا وضحوا باعمارهم من اجل الوطن وكرامته وعزته.
الاسرى قالوا كلمتهم واشكال التضامن والاسناد بحاجة الى توسعة والحراك الشعبي يتواصل في معظم المحافظات يرتفع او يتراجع ولكن الاساس ان يتكثف ويمتد، هذه الايام حاسمة بل مصيرية ليس للاضراب ومطالبة وانما لحياة الاسرى فهم مصممون على المضي بالاضراب حتى النهاية، قنوات الحوار من ادارات السجون متوقفة ومغلقة فهي أي تلك الادارات لا تريد حوارا، العبء الاساس يقع على اعتاقنا نحن للتعبير عن وقوفنا الى جانب الاسرى بما فيها الاضرابات التي يجب ان لا تتحول الى " موضة " ويجب دراسة جدواها بعمق وروية ومسوؤلية وطنية، كل الاشكال والمكونات مطلوب منها العمل بما فيها حركة اعلامية نشطة وخصوصا الاعلام المحلي لمواكبة ما يجري، فالاسرى ليسوا ارقاما وانما هم بشر لهم اهل يخافون على مصيرهم ويريدون ان يروهم بينهم احياء وليس استقبالهم في توابيت ونعوش لا سمح الله، وسائل الاعلام المحلية مدعوة لزيادة مساحة برامجها عن الاضراب، تخصيص اوقات اطول للبث الاذاعي وفتح صفحات الصحف والوكالات، الاعلام يفترض ان يجند كل قوته لهذا الاضراب البطولي.
سكرتير العلاقات الخارجية بالهيئة العليا لمتابعة شؤون الاسرى والمحررين
