أما لهذا العنف من آخر!

single

كنت قد تطرّقت في الأسبوع الماضي إلى موضوع العنف المستشري في مجتمعنا في المقال "نحو مجتمع خالٍ من العنف" وقد تناولت هذا الموضوع من زاوية "إني أتهم!" حيث وجهت أَصبع الاتهام إلى دور الأهالي أولاً والمدرسة ثانيًا والشرطة ثالثًا ووسائل الإعلام رابعًا والمحاكم خامسًا.
لقد وضعت جميع من ذكرت في قفص الاتهام لأني لا زلت أومن ان ما يجري اليوم من عنف في مجتمعنا سببه غياب الآباء والأهل أولاً وغياب المدرسة والمعلمون والمربين ثانيًا وغياب اليد الحازمة من قبل الشرطة ثالثًا. ويسمح لي الآباء والمعلمين ان أتهم مجتمعنا على كل مركباته فأنا مقتنع اليوم ان غياب هؤلاء عن الساحة يعطي المجال لاستعمال العنف على أنواعه من جسدي إلى كلامي لا بل نسبته تزداد من سنة إلى أخرى، وتزيد حدّته في المجتمع العربي أكثر بكثير منه في المجتمع اليهودي، لقد تبين في استطلاعات يقوم بها العاملون في هذا المجال ان نسبة الجنوح في الوسط العربي هي ضعف نسبتها في الوسط اليهودي وان أكثر من 30% من الجانحين في اسرائيل عرب مع ان نسبة السكان العرب في الدولة حوالي 20% فقط. كما ورد في صحيفة "هآرتس" هذا الأسبوع فإن معدل حدوث الجرائم ارتفع بأكثر من 27% منذ مطلع العام الجاري مقارنة مع نفس الفترة من العام الفائت، وان الجرائم التي وقعت في شهر أيار الماضي على خلفيات جنائية بلغت (55) جريمة قتل.
ولا أبالغ إذا قلت وعلى ضوء ما يحصل من عنف على جميع أنواعه وعند جميع طبقات المجتمع من صغار وكبار ان الأب في مجتمعنا مات والأم ماتت والأهل ماتوا والمعلم مات والمربي مات والمدرسة فقدت دورها في محاربة ظواهر العنف والتقليل من حدّته. الأهل لا يسألون عن أولادهم أين يذهبون وكيف يقضون أوقاتهم ولماذا يعودون إلى البيت متأخرين ليلاً ولماذا لم يذهبوا إلى المدرسة هذا الصباح وماذا تعلّموا من دروس؟ إلى آخر القائمة، ان عدم سيطرة الآباء منذ الصغر على أولادهم إلا ما ندر يؤدي حتمًا إلى العنف والسلوك الشاذ عندهم.
لقد فقد البيت مكانته التربوية وفقدت المدرسة كذلك مكانتها التربوية من حيث إعداد الفرد المجتمع صالح، صار الأهل آخر من يعلم بما يفعله أولادهم في ساعات النهار، لقد تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع يتقن الصراخ ويستصرخ ويطلب النجدة فلا مجيب وصارت الشرطة تتراخى في التعامل مع الذين يتخذون العنف شعارًا لهم ويعكرون صفو حياة الناس... والسؤال: كيف نعالج هذه الظاهرة وهذه الآفة الاجتماعية؟ وما هي الطرق المقترحة الواجب اتباعها ومن هي الجهات المسؤولة التي يمكن أن تقوم بدورها في محاربة هذه الظاهرة؟
في مقال لعضو الكنيست تحت عنوان "كيف نواجه العنف والجريمة" يستعرض التوصيات التي أقرّتها لجنة المتابعة العليا قبل عدة سنوات حول تفاقم العنف وسبل مواجهته، الا ان الوضع ما زال كما هو بل زادت حدته. وفي المقال يورد جبارين ما حذّر منه البروفيسور محمد حاج يحيى من أن ظواهر العنف قد تتدهور مستقبلاً أكثر وتتحوّل إلى حرب أهلية في قلب المجتمع ويتساءل جبارين: هل وصلنا فعلاً إلى حرب أهلية في مجتمعنا وخاصة في ضوء الانتقال الخطير من العنف المجتمعي إلى الجريمة المنظمة في العديد من بلداتنا، أدناه نورد بعض هذه التوصيات ونورد اقتراحات أخرى للتخفيف من ظاهرة العنف:
أولاً: الخروج من الشعور بالضعف واليأس وان نؤمن انه بإمكاننا أن نحقق ذلك بأنفسنا. والسؤال: كيف وهل يتم ذلك عن طريق العلاج النفسي للناس؟
ثانيًا: تفعيل ضغط جماهيري ممنهج على الشرطة حتى تقوم بدورها (مثال ذلك ما حدث في الأسابيع الأخيرة وما قامت به الجماهير بمناسبة أحداث كفرقاسم).
ثالثًا: وضع خطة شاملة للنهوض بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية في كل بلد.
رابعًا: تكثيف الفعاليات من أجل النهوض بالتوعية الحقيقية بين الأهالي وفي المدارس.
خامسًا: تفعيل ضغط جماهيري على الحكومة من أجل إغناء المجتمع بكوادر مهنية في مجالات الخدمات النفسية والاجتماعية والتربوية.
سادسًا: تشجيع خطاب الحوار والاحترام المتبادل وقبول الآخر المختلف.
سابعًا: القيام بورشات عمل ومحاضرات وفعاليات تربوية وتوزيع مناشير تثقيفية.
ثامنًا: تحويل المدارس إلى صرح أخلاقي تربوي من أجل محاربة العنف بمساندة وزارة المعارف والمجالس المحلية والمؤسسات ومديري المدارس.
تاسعًا: وضع حلول وأنظمة وتشريعات لضبط سلوك التعامل مع الغير.
عاشرًا: تعزيز الدور الإعلامي من صحافة وتلفزيون وراديو.
حادي عشر: تعزيز الحريات السياسية والاجتماعية والشخصية منعًا للكبت والاعتداء على الغير والعمل على تخفيض المشاكل الأسرية.
ثاني عشر: خلق اجماع على الالتزام بما اتفق عليه الناس من اخلاقيات وعادات.
ثالث عشر: الخروج ضد عدم المساواة وعدم العدل  في التعامل مع الأقلية العربية في إسرائيل لأن عدم العدل يؤدي إلى الكراهية والبغضاء وإلى استعمال أساليب العنف للتعبير عن احتجاجات نفسية ومادية.
رابع عشر: محاولة إبعاد الأولاد عن مشاهدة الأفلام التي تتسم بمظاهر العنف على القنوات الفضائية، وتعزيز دور الآباء في مراقبة ذلك.
خامس عشر: تكثيف برامج تربوية في المدارس حول التصدّي للعنف في كافة مراحل التعليم.
سادس عشر: التوعية من خلال دور العبادة أيام الجمعة والأحد عن طريق رجال الدين.

       التوصيات أعلاه تحتاج إلى خطة زمنية واضحة وإلى ميزانيات داعمة يجب العمل على تحوّل في مجتمعنا من شعور اللامبالاة وعدم الإكتراث بما يجري وكأن هذا الأمر لا يهمنا حتى يصل العنف إلى داخل بيوتنا.. يجب عدم الاكتفاء بشجب ما يحدث عن طريق تصريحات رنّانة، علينا التحرّك وبسرعة في محاربة العنف، علينا تذويت السلوك العكسي أي من عدم الاهتمام واللامبالاة إلى تبني سلوك قولاً وفعلاً ورفع شعار "هذا يَهمُّني" علينا أن نزرع في أبنائنا كراهَية العنف والإحساس بالعيب والخجل مما يجري بيننا من أجل بناء مجتمع يخجل من هذا السلوك العيبي، فنحن مجتمع كنا في الماضي حضاريين واكسبنا العالم ثقافات المحبة والاحترام بروح القرآن الكريم وبروح الكتب السماوية، يجب أن نسأل أنفسنا دائمًا لماذا يحدث هذا؟ ما هكذا كنا! ما هكذا عاداتنا وتقاليدنا! وما هكذا أخلاقنا التي تربى عليها آباؤنا وأجدادنا من القيم العربية الأصيلة والقيم الدينيّة الحقّة! نحن بحاجة إلى ترميم العقول وبنائها من جديد في المجتمع عامة وعند الأهل والآباء خاصة وعند المعلمين والمربين بشكل أخصّ.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ضائقة العرب، غطرسة رأس المال والتدهور نحو الفاشية

featured

رسالتان قصيرتان جدًا

featured

كي نستوعب مدى تحريض دعاية اليمين، علينا أن نلتقي بعائلة التميمي

featured

أبو غوش: جريمة هدم سياسية

featured

رسالة اعتذار الى اطفال غزة

featured

.. ولا تفرّقوا!

featured

قانون عنصري

featured

ثورة وثروة كان ابن البروة