كي نستوعب مدى تحريض دعاية اليمين، علينا أن نلتقي بعائلة التميمي

single

نور التميمي (الثانية من اليمين) مع قريباتها بعد اطلاق سراحها


*أُطلِق سراح نور التميمي  من السجن الإسرائيلي بعد 16 يوما، لكن الاستقبال كان حزينا: لا زالت عهد التميمي ابنة خالتها في السجن وقريبها الآخر مقتولا.  قالت لنا هذا الأسبوع وهي في بيتها إن إطلاق النار على محمد ابن خالهما هو الذي دفعهما لمواجهة الجنود*


(ترجمة:  أمين خير الدين)

وصل بيتها في آخر الأسبوع الماضي ضيف غير مُنْتَظر: محمد تميمي، الفتى ابن ال 15 سنة والذي أُصيب برأسه،  القريب والجار. جاء ليهنئ ابنة عمّته، نور تميمي، بمناسبة إطلاق سراحها  من السجن الإسرائيلي، سُرّت برؤيته يقف على رجليه، رغم الإصابة برأسه. في الأسبوع الماضي، عندما زرناه، لم يكن يعرف أن نور وعهد معتقلتان. لم يكن يعرف أن الرصاصة التي أطلقها الجندي عليه عن مسافة قصيرة وأصابته إصابة خطيرة، هي التي دفعت بابنتي عمّتيه  الغاضبتين لتخرجا إلى ساحة البيت لمهاجمة الجنديين اللذين اقتحما ساحة البيت.
في بيتها، وهي مُحاطة بكاميرات التلفزيون، اعترفت  نور أن الهجوم على الجنديين كان بسبب اقتحامهما لساحة بيت عهد، خاصة بعد أن قرأتا قبل ذلك بدقائق قليلة في الفيسبوك عن إصابة محمد، وقد بدت الإصابة خطيرة. أُطْلِقت النار على محمد وأُصيب عن بُعد عشرات الأمتار عن بيت نور، وأيضا بيت عهد يقع على بُعْد خطوات من هناك. وذلك عند مدخل قرية النبي صالح.
لا زالت عهد وأمها ناريمان  في السجن منذ ثلاثة أسابيع، محمد يتماثل للشفاء من إصابته الخطيرة وعادت نور إلى بيتها بعد 16 يوم اعتقال، بدون شك أن ذلك لم يكن ليحدث لو لم تكن فلسطينيّة. اشتركت نور في مواجهة الجنديين لكنها تظهر في شريط الفيديو عمليا أقلّ اشتراكا من عهد؛ هي تقريبا لم تمسّهما.
يوم الإثنين من هذا الأسبوع وفي ساعات المساء الأولى في قرية النبي صالح.  دخلت الغرفة بخطى مسرعة فتاة مسرعة، تضع نظارات، تلبس بنطلونا ضيّقا ومعطفا. اعتذرت عن التأخير ولم تستغرب كثرة الكاميرات التي تنتظرها في غرفة الضيوف في بيت والديها. لم يتوقفواعن مقابلتها من كل العالم طيلة الأيام الثلاثة من أيام حريتها. هي اٌقلّ شهرة من ابنة خالتها، عهد،  لكنها هي حرّة.
عادت من أبو ديس، حيث مكاتب جامعة القدس التي تتعلم بها للسنة الثانية موضوع الصحافة. سافرت إلى هناك لترتيب غيابها عن الامتحان. السبب: التزامات سابقة، في سجن  هشارون. حلّ المساء ووالداها، بُشْرى وناجي، قلقان لأنها تأخرت عن موعد وصولها  ولم تردّ على التلفون. تأثّرا من التأخير أكثر مما تأثرا من اعتقالها: والداها خبيران بالاعتقالات وكذلك أخوها. هذه قرية العصيان المدني، قرية النبي صالح، وهذه عائلة التميمي، هنا اعتادوا الاعتقال.
قبل وصول نور، سرد علينا أبوها مسيرة حياتها. عمره 55 سنة، يتكلم العبرية بطلاقة تعلمها في الفترة التي عمل بها بالتلميع، تلميع البلاط، في إسرائيل في سنوات أل – 80. ينبغي التعرف على ناجي وبشرى، وأيضا على والدي عهد، ناريمان  وباسم، لندرك إلى أي مدى تحرّض وتُشْعِل دعاية اليمين التي أطّرت هذه العائلة ذات الانطباع الجميل كـ "عائلة مجرمين".
يعمل ناجي في مديرية التنسيق والارتباط الفلسطيني. يؤكّد أنه ليس بعلاقة مع الإسرائيليين، أب لخمسة، ثلاث بنات  وابنَيْن، خفيف الظل، وطلق المحيا، من قدماء فتح.  تقول اللافتة الجديدة التي فوق رأسه في غرفة الضيوف الواسعة: "لا أحد بستطيع إخماد الضوء (بالعربية: أطلقوا سراح نور. العائلتان قريبتان جدا ونشأ أولادهما معا بين البيتين المجاورَيْن #FREE NUR)".
نور 21 سنة هذا هو اعتقالها الأوّل، بينما أمضى والدها خمس سنوات من حياته في المعتقل. أدين أربع مرات على اتهامات متنوّعة، أكثرها بسيطة أو سياسية. قُتِل أخوه في هجوم إسرائيلي على طرابلس في لبنان سنة – 1973. وأمضى ابن أخيه الميت أكثر من 20 سنة في السجن. أعْتُقِلَت بُشرى ثلاث مرّات، لمُدد قصيرة. ابنهم عنان، اعْتُقِل أربع مرات.
المظاهرات المستمرة في القرية احتجاجا على مصادرة الأراضي وعلى نبع الماء الذي اغتصبه المستوطنون، توقفت قبل حوالي نصف سنة، بعد أن بدأ الجيش باستعمال الرصاص الحيّ لتفريق المظاهرات. قرية النبي صالح صغيرة، أكثر من 500 نسمة، وهي لم تصمد أمام الإصابات والقتلى. لكن بعد خطاب ترامب تجددت الاحتجاجات. قبل أيّام اعْتُقِل أحد شباب القرية، عبد الكريم أيّوب، ومنذ اعتقاله يخضع للتحقيق في منشأة  للشاباك في بيتح تكفا. سكان قرية النبي صالح  مقتنعون أنه سيكون اقتحام  كبير للقرية واعتقالات كثيرة.


**مواجهات روتينيّة


بعد ظهر  يوم الجمعة 15 كانون الأول  كانت نور وعهد في بيت عهد. وحينها علمتا بإصابة محمد. وقد رابط في ساحة البيت ضابط وجندي، يتصرفان كأنهما في بيتهما. هذا الاقتحام اليومي للبيوت يثير سكان القرية. ليس فقط التدخل الوقح للخصوصيّات، انما لأنه أحيانا  يرمي الفتيان الحجارة على الجنود  فيقوم الجنود بالاعتداء على البيوت، وأحيانا يطلق الجنود النار من ساحات البيوت. "نحن لسنا على استعداد لنوافق على تحويل بيوتنا إلى استحكامات لجيش الدفاع الإسرائيلي"، هذا ما يقوله ناجي. 
وابنته أيضا لم توافق. خرجت مع عهد من البيت، غاضبة بسبب إصابة محمد، وبدأت كلتاهما بالتحرش بالجنديين كي تطردانهما من ساحة البيت. يقول ناجي إنه لم يتأثر أحد من الحادثة وهو مقتنع أنه لو لم تُصوّر أمام الجنود، لما كان ردّ الفعل متروِّيا. "وأيضا كان هذا عاديا بالنسبة للجنديين"، ويقول. "لم يفكرا أنهما في خطر".
عادت نور إلى بيتها، ولم تتكلم عن الحادثة تقريبا. وأيضا بالنسبة لها ولعهد لم تكن الحادثة روتينيّة. يوم الثلاثاء قبل الفجر، بعد الحادثة بأربعة أيّام وبعد يومين من تاريخ نشر الفيلم الذي أثار اليمين الإسرائيلي الذي احتجّ بشدّة على ضبط النفس من قبل الجندييّن، جاء جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي لاعتقال عهد. كان هذا في منتصف الليل وبقوّات كبيرة كالعادة عند الاعتقالات، بما في ذلك اعتقال القاصرين مثل عهد. في اليوم التالي ، في نفس الساعة، الثالثة والنصف قبل الفجر، جاؤوا لاعتقال نور.اعْتُقِلَت ناريمان عندما جاءت إلى محطة الشرطة.
اقتحموا البيت، صعدوا إلى طابق غرف النوم، طلبوا بطاقات الهوية لكل البنات. يقول ناجي إن أفراد العائلة توقّعوا مجيئهم لاعتقال نور، بعد اعتقال عهد في الليلة السابقة. لم يخافوا، وأيضا نور لم تخف. حوالي 15 جنديا دخلوا البيت، وانتظرهم في الخارج سبع أو ثماني مركبات عسكرية. ارتدت نور ملابسها، وقُيِّدَت يداها وخرجت إلى قلب الليل البارد والموحش. لم يعترض أحد من أبناء العائلة. يقول ناجي إنه "لا يمكن الوقوف في وجه الجيش. ولأنها كانت المرة الأولى لنور، لم نرغب أن يتخللها عنف".
غطوا عينيها في الجيب العسكري.  في ال- 22 ساعة القادمة، لم يغمض لها جفن جراء التحقيقات وخضخضة الحواجز في المنشأة العسكرية وغرف التحقيق. بعد يومين عادوا ثانية في منتصف الليل إلى البيت للتفتيش، لم يأخذوا شيئا. وعن ذلك يقول ناجي بجفاف: "لقد تعوّدنا". في بيت عهد صادروا الحواسيب والأجهزة الخلويّة. بعد اعتقالها بيومين رآها والداها في قاعة المحكمة العسكرية في عوفر. يقول والداها إنها بدت قويّة معنويّا، لكنها مرهقة جسديّا، وقد عانت من البرد.


**لتكونن هنا سجينات


عهد مُعْتَقَلة في قسم القاصرات ونور في قسم السجينات الأمنيّات في سجن الشارون. وكانت ناريمان هناك أيضا. أحيانا كنّ يلتقين في ساحة السجن. صُعِقَت نور من لقائها الأول مع السجن الإسرائيلي. مصير السجينات الأُخْريات ، معاناتهن وشروط سجنهن، طير النوم من عينيها. الآن مصممة على أن تكون لسان السجينات في الخارج.
في محادثة معها كانت متوترة ومترددة، ربما بسبب صعوبة اللغة، وربما لكوننا إسرائيليين. تقول ان مَنْعَها عن النوم خلال التحقيق، لمدة 22 ساعة متتالية، كان بالنسبة لها الأكثر صعوبة. تعتقد أن ذلك كان ضغطا يُمارس عليها  للاعتراف ومن أجل ذكر أسماء النشيطين من القرية.
ماذا أردتم تحقيقه من مهاجمة الجنديين؟ "أردنا إبعادهما". هل تفاجأتم بعدم ردّهم؟ "كان بسلوكهم شيء غريب. شيء مُريب. قاموا بتمثيلية أمام الكاميرا".
هل تستحقين العقاب؟ "لا. وأنا غير آسفة على ما فعلتُ. هما اقتحما بيتنا. هذا هو بيتنا، وليس بيتهم". هل ستقومين بفعل ذلك ثانية؟ "سأرد بنفس الطريقة إذا تصرّفوا نفس التصرّف.إذا اقتحموا البيت واعتدوا على أبناء عائلتي".
قالت إن عهد بنت الـ 16 سنة قوية. أدركت عهد أنها تحولت إلى بطلة، حسب بث التلفزيون الفلسطيني الذي يمكن  مشاهدته في السجن. لقد كُتِبَتْ عشر قصائد عن عهد، روت نور. لكن ما يؤرق نور ليس عهد إنما السجينات اللواتي التقت بهن. أكثر ما يخيفها حالة السجينة إسراء جعابيص*، وقد اشتعلت سيارتها خلال محاولتها القيام بعملية، حسب إدانتها، وحُكمت بـ 11 سنة سجن. وحسبما تقول نور، إنها تعاني معاناة شديدة، خاصّة في الليالي، بسبب حروقها.
باستثناء المُهمّة التي تكفّلت بها، أن تكون لسان حال السجينات، تقول إن اعتقالها لم يغيّر مسار حياتها. أُطْلِق سراحها يوم الخميس الماضي من محكمة الاستئناف العسكرية، بأربعة شروط سهلة، بعد أن أصرّت النيابة على عدم إطلاق سراحها.
أمر القاضي بإطلاق سراحها بنفس اليوم، وكمن يريد الإغاضة أُطْلِق سراحها في الدقيقة الأخيرة، في منتصف الليل. انتظرها أبوها عند حاجز جبارة. كان البرد شديدا، عشيّة العاصفة القويّة، اسرعا إلى البيت. لم يكن أيّ احتفال في البيت بمناسبة إطلاق سراحها. تنتظر نور محاكمة أُخرى وفي القرية المجاورة، دير نظام، معْظَم سكانها من عائلة تميمي، قُتِل الأسبوع الماضي فتًى عمره 16 سنة. وخلال تشييع جنازته أُطلِقَت النار فأصيب صديقه برأسه وحالته خطيرة جدّا. (2018/1/12)


//هامش
*إسراء جعابيص من جبل المكبر، انفجرت أسطوانة غاز قرب حاجز الزعيم نتيجة إطلاق قوّات الاحتلال النار على سيّارتها بينما كانت عائدة من أريحا. فأصيبت بحروق من الدرجة الخطير أتت على جسمها، وهي الآن في السجن لا تتلقى علاجا، بعد مضي أكثر من عامين. قالت في المحكمة: "طوّلت الشغلة، إلي سنتان بلا علاج". -المترجم 


(عن هآرتس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الإمام الجديد..

featured

دموع "الطبيب الأبيض"

featured

الأنظمة جزء من المشكلة

featured

الذين يخافون الله

featured

لنبحث عن ثغرة "داعش"

featured

رحيل المناضل أبو النضال

featured

سقوط خرافة الاستقرار