جارتنا أم محمود طيب الله ثراها سيدة فلسطينية من عائلة كريمة.. جارت
على أهلها أطماع الحكام الجدد فقتلوا زوجها وهدموا منزلها كما هدموا منازلنا لتهرب مع صغارها هائمة على وجهها لتصبح لاجئة تسكن بيتا مستأجرًا في حي يقطنه اللاجئون أمثالنا من البشر.
مع مرور الأيام نمت صداقة بين زوجتي وجارتنا ام محمود لدرجة أننا اعتدنا في رمضان الكريم ان نشارك بعضنا البعض في وجبات الافطار كما كنا نصوم سوية فاستقامة ام محمود أذابت مسيحيتنا في إسلامها وزرعت ودّا متبادلا ننعم به صغارا وكبارا.
كانت جارتنا مثالا في الوطنية وحب الخير لجميع الناس.. كانت تردد شعارًا واحدًا حفظته من آبائها وأجدادها: "الدين لله والوطن للجميع" ناذرة نذورًا أن تقدم ايقونات ثمينة لتزيين جدران كنيسة قريتنا.
عندما تزوج ابني الوحيد، انتقلنا معه (أمه وأنا) الى بيت جديد في حيّ بعيد عن حي الغرباء او الدخلاء كما أسماه أحد السكان الأصليين الذي افتقد أصالة الشهامة العربية فجاهر بسخريته من اللاجئين.
قبل انتقالنا الى الحي الجديد دَخلْتُ بيت المرحومة ام محمود لوداع ابنها وزوجته فلم نجد محمودا وأعلمتنا زوجته أنه ذهب الى الجامع.. ودعنا زوجته طالبين ان تُعلمهُ بزيارتنا (زوجتي وأنا).
كم سررنا عندما علِمنا أن غياب محمود كان للتقرب من العلي القدير فالمؤمن عندما يدخل المسجد يخرج مثقلا بنعم الحسنات وألق البركات.
في أيام فصحنا الأخير اتصلنا به لندعوه لوليمة كما كنا نفعل في حياة والدته لكنه لم يُجب على هاتفنا.. وحاولنا زيارته فلم نُفلح ولم نجده في البيت. كان البيت مقفلا وعلى بابه اعلان يُعلمنا أنه في رحلة حج للديار المقدسة برفقة شيخ الجامع الجديد..
أعلمني أحد الأصدقاء ان الإمام الجديد رجل عنصري بامتياز... رجل متمسك بفتاوى الحقد وتحقير من لا يدين بدينه.
لم أترك بيت محمود الا بعد تركي ورقة كتبت عليها: أُبارك لكم الحج والأعياد.. وانتظرت اتصالا منه لكنه لم يتصل!
يبدو أن الإمام الجديد أنساه قول الرسول الكريم: "حين يخرج الرجل من بيته الى مسجده فرِجل تكتب حسَنَة ورجل تمحو سيئة."
صباح الخير لأمة عربية راقية تتفيأ بكل طوائفها في ظل خيمة واحدة وتحت سقف واحد.
