الدرس والعِبرة

single

لا شيء يدوم في هذا الكون، فكل شيء او كل حدث ان كان صغيرا او كبيرا له بداية ونهاية، ومن الممكن ان تكون نهايته حزينة او مفرحة، أي من الممكن ان يفرحنا او يبكينا، والحدث ايا كان سياسيا أو اجتماعيا او عسكريا ممكن ان تكون مدته طويلة او قصيرة، وبعد نهايته نأخذ منه الايجابيات ونسقط منه السلبيات لتتناقله الاجيال جيلا بعد جيل، ويبقى درسا وعبرة في كتب التاريخ لكل البشرية على مختلف الوانها واجناسها.
وهذا ما حصل على ارض الواقع في اوائل القرن العشرين بدءا من الثورة الهندية بقيادة القائد العظيم المهاتماغاندي ضد الاستعمار الانجليزي، حيث انه قاد نضالا سلميا خاليا من العنف والسلاح للتحرر من الاستعمار. فبالرغم من كل التضحيات بالارواح والممتلكات، الا ان هذا النضال ادهش العالم بتواضعه ووحدته، فامام عزيمة واصرار الشعب الهندي اندحر الاستعمار الانجليزي وولّى هاربا الى غير رجعة والى الابد.
فالنضال السلمي للشعب الهندي كان درسا لكل المستعمرين اينما حلوا، وعبرة لكل شعوب العالم على مختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية يهتدون بهديه وتتناقله الاجيال جيلا بعد جيل تتعلم منه وتستفيد، فهذا النضال كان واصبح اثباتا عمليا على انه ليس بالسلاح وحده يحقق الشعب اهدافه وطموحاته، بل ايضا بالسلم يحقق الشعب اهدافه وطموحاته. فالاستعمار مهما كبر وتجبر الا انه امام وحدة الشعب واصراره ينكمش ويصبح صغيرا ذليلا.
مع مرور الزمن بات يعرف ان نضال الشعب الهندي بقيادة قائدهم الخالد والعظيم المهاتما غاندي هو الشرارة الاولى التي انطلقت لتشعل في نفوس البشر اينما كانوا الحماس ضد ظالميهم.
فقد تحمس المواطنون السود في الولايات المتحدة الامريكية بقيادة مارتن لوثر كينغ وبايعاز منه ليخوضوا نضالا سلميا ضد الحكومة الامريكية للتخلص من العنصرية اللاحقة بهم، وفعلا بعد نضال طويل ومرير استطاعوا ان يتخلصوا من هذه العنصرية وان يحصلوا على كل الحقوق والواجبات الامريكية مثل أي مواطن امريكي آخر، فاصبحوا يمثلون الولايات المتحدة الامريكية في شتى مجالات الحياة السياسية والرياضية والاجتماعية والعسكرية.
وكذلك الشرارة الهندية اشعلت في نفوس شعوبنا العربية الحماس للتحرر من الاستعمار الاجنبي، ففي بداية القرن العشرين واواسطه خاضت شعوبنا العربية نضالا سلميا للتخلص من الاستعمار، الا انه كان محدودا وبدون نتائج كبيرة، ومع تقدم الزمن اصبحنا نحن الشعوب العربية نعاني الامرّين الاستعمار الاجنبي وحكامنا المتجبرين مغتصبي الحكم، الجاثمين على صدورنا غصبا عنا. فبعد ان تخلصنا من الاستعمار الاجنبي، اصبح نضالنا السلمي ضد حكامنا، الى ان جاءت هبّة الشعب التونسي ضد حكومتهم، فأمام هذا الغضب التونسي العارم فر رئيسهم زين العابدين بن علي هاربا الى خارج حدود الدولة خوفا من غضب الشعب، وهنا بدأ التغيير الجذري في شرقنا العربي فانكسر حاجز الخوف وتخلصنا من النفاق والرياء، واستيقظت الشعوب العربية من سباتها وجمعت نفسها وخرجت الى الشارع تطالب بحقوقها الغائبة عنها منذ ردح من الزمن، وانتقلت هذه التجربة الى مصر. فالشعب المصري اهتدى بهديها وانتفض على حكامه يريد الدمقراطية، يريد حكما يقرره الشعب لا العائلة الحاكمة، فكل حيل والاعيب الحكومة لا تجدي نفعا لان الشعب كان مصرا على التغيير، وفعلا كان له ما اراد. فامام وحدة واصرار الشعب تصدّع وانهار الحكم، وولّى الحاكم هاربا الى غير رجعة، فبعد الآن ما كان في شرقنا لن يكون ومن الآن فصاعدا سنبدأ صفحة جديدة مختلفة كليا وجوهريا عن كل الصفحات السابقة البالية.
وعود على بدء نستنتج من كل هذا ان لكل شيء في هذه الدنيا بداية ونهاية، فالاستعمار الانجليزي على الهند بدايته كانت مؤلمة على الشعب الهندي، لكن نهايته اسعدت الشعب الهندي وكل شعوب العالم، فالشعب الهندي حقق حريته من الاستعمار بفضل وحدته، وايضا المواطنون السود في امريكا كم كانت العنصرية في البداية مؤلمة لهم، لكن فيما بعد وبفضل نضالهم العنيد والمثابر حصلوا على كل الحقوق والواجبات كباقي المواطنين الامريكيين وتبوأوا اعلى المناصب الحكومية والعسكرية والاجتماعية، فتخلصهم من العنصرية اسعدهم واسعد كل شعوب العالم وهذا كله تحقق بفضل وحدتهم، وايضا شعوبنا العربية كم كانت بداية حكامهم قاسية ومهلكة عليهم، لكن نهايتهم اسعدت شعبوبنا وكل شعوب العالم، وهذا كله حصل بفضل وحدة الشعب. فعلى مر التاريخ فان الدروس والعبر التي نستخلصها من كل هذه النضالات ان الظلم مهما اشتد واستفحل له يوم وينتهي، وكذلك العبر من نضالات الشعوب ان الوحدة في أي مكان وزمان هي الاساس لكل نجاح.

 


(كفر ياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحو نهضة حقيقية لليسار العربى

featured

ليتوقف التآمر على مدرستنا

featured

المستشفى لمعالجة المريض فقط

featured

هل تتجه "حماس" من الاسلام المقاوِم الى الاسلام المساوِم؟!

featured

مشاعر الألم تلاحقنا

featured

الف مبروك انتصاركم ايها الشعبان التونسي والمصري

featured

يوم المرأة العالمي بين المد والجزر

featured

أندرياس وغونتر غراس