يقول الاستاذ كريم مروة، فى مقدمة كتابه «نهوض اليسار العربى»، أن فكرته الأساسية تدور حول ضرورات التعلم من أخطاء التجارب الثورية السابقة حتى يمكن بناء يسار عربي جديد. ومن ثم، يعرض في عجالة، لتاريخ الثورات القديمة التي بدأت بثورة سبارتاكوس، مرورا بالثورات التي شهدها العالم الإسلامي مثل ثورتي الزنج والقرامطة، وصولا إلى كومونة باريس وثورة أكتوبر الاشتراكية. ويستخلص المؤلف من ذلك أن كل هذه الثورات فشلت، نتيجة لأسباب بنيوية تخص كلا منها، على حدة . ولكن السبب المشترك بينها جميعا، بما فيها ثورة أكتوبر الاشتراكية، أنها جميعا لم تتعلم من أخطاء السابقين عليها. (ولا أدري ان كان ذلك ينطبق على الثورات الأولى في التاريخ أم لا!!!).
ولقد جاء دورنا – حسب الاستاذ مروة - لنتعلم من أخطاء السابقين حتى لا نفشل مثلما فشلوا. ورغم هاجس اليأس وروح القنوط المسيطرة على أجواء الكتاب، الا أنني قد تصورت في هذا السياق إننا بصدد الحديث عن رؤية ثورية جديدة، وبالتالى من المحتم علينا أن نقوم بجرد حساب الثورات السابقة لكي لا نقع في نفس أخطائها وننتهي إلى ما إنتهت إليه، وإذ بي أجد اننا أمام حالة من الرفض لفكرة الثورة نفسها.
وهنا يجدر بنا القول بأن من يتابع بعض المثقفين اليساريين وبعض الحركات والأحزاب الشيوعية فى المنطقة العربية والعالم، سيجد شيئا قريبا من هذه الحالة من الإحباط والجزع التي انتابتهم، خاصة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتى . وربما أيضا بسبب عجزهم المزمن وهزائمهم المتكررة أمام تحديات واقعهم المحلى، فى الآن نفسه. الأمر الذى أدى ببعض هذه الأحزاب إلى تغيير أسمائها وخلع تسميه «الشيوعية» عنها، وكأن هذه التسمية كانت مرتبطة بمجرد وجود هذا الكيان العملاق (الاتحاد السوفيتى)، أو كأنها كانت مفروضة عليهم فرضا، فقبلوها على مضض، وعندما حانت الفرصة وانهار هذا الكيان العالمي تخلصوا منها الى غير رجعة. وحتى بعض الاحزاب الأوربية التي كان إسمها يحتوى على كلمة "العمال" اكتفت دونها بكلمة "الاشتراكي"، مثل حزب "العمال الاشتراكي المجري" الذي غير اسمه ليصبح "الحزب الاشتراكي المجري" فقط، مما يشير إلى تخل واضح عما تدل عليه كلمة العمال من التزام (ما) بالدور القائد والأساسي لهذه الطبقة في عملية التغيير، ويشير أيضا الى تخل معلن عن أيديولوجيا الاشتراكية العلمية المستمدة من الفلسفة الماركسية اللينينية، باعتبارها أيديولوجيا التغيير التي يمثل العمال الحامل الرئيسي لها. وكذلك كان الأمر لدى بعض أجنحة الحزب الشيوعي الايطالي والبولندي .. الخ. والأمر نفسه لدى بعض الأحزاب الشيوعية العربية .
وفى هذا السياق، يمكن ادراج عدد من الكتاب والمفكرين العرب، ذوى التاريخ الفكري والتنظيمي الماركسي، ممن تملكتهم نزعة المبالغة في جلد الذات، التي تعدت حدود النقد الذاتي الضروري والمطلوب، الى حد اهالة التراب على كل منجزات الأحزاب والحركة الشيوعية العربية، بل والفكر الماركسي ذاته. مثلما فعل الدكتور عبدالحسين شعبان فى كتابه: "تحطيم المرايا"، الصادر عام 2010. غير أن (التحطيم) عنده لم يكن منصبا على (مرايا) الايهام والتخييل المجافى لحقائق الواقع والذي يقوم بديلا عنه، (وتلك كانت بلا شك أحد أمراض بعض فصائل اليسار العربي بدرجات متفاوتة وفى أحيان معينة)، وبالتالى يعنى تحطيمها تحطيم الخيالات والأطياف والأوهام. إنما يتم هذا (التحطيم) بهدف تحقيق نوع من المراجعة الشاملة، المصحوبة بنوع من الادانة الممرورة لكل الممارسات والأفكار الكلية والجزئية على حد سواء. وصولا الى نوع من التبشير بالعودة الى "الوضعية" ومغازلة أكثر أشكال الفكر البرجوازي بؤسا ورجعية.
وأنا بالطبع لست ضد المراجعة والنقد الابداعى لمسيرة الوعىي والممارسة النضالية لحركة اليسار العربي، أو فى أي مكان آخر، فهذا يمثل الضمان الوحيد للمجاوزة والتصويب، ولكنى بالطبع ضد هذا الذى يمكن تسميته بفقدان الاتزان وفقدان البوصلة، اللذين يؤديان بنا الى الهرولة المذعورة المتخبطة النادمة الى أحضان أعدائنا على وجه التحديد، متخلين عن قدراتنا على التقييم العلمي الجدلي، الواعي والملتزم بالرؤية الاستراتيجية للفكر اليساري.
وهنا دعوني أعبرعن خشيتي من أننا قد وصلنا، على أيدي هؤلاء "المجتهدين المراجعين"، إلى مرحلة التخلي المعلن عن المنطلقات الأساسية لمسألة وجود اليسار في حد ذاته. والاقتراب التدريجي نحو نوع من الليبرالية ذات البعد الاجتماعي في أفضل الأحوال.
ان رسالة اليسار فى جوهرها انما هي العمل على بناء حضارة إنسانية جديدة وأفق مجتمعي جديد للبشرية، ينتفي فيه الاستغلال والقمع والقهر، وتتفجر فيه الطاقات والملكات البشرية الكامنة التى يجرى طمسها وتشويهها وتحويلها إلى طاقات تدميرية فى ظل المجتمع الطبقي الرأسمالي القاهر، مسلحين بالوعي الجدلي العلمي وبقوانين الحركة التاريخية والاحتماعية، وبالمعرفة العميقة بالخصائص النوعية لقوى وتناقضات الواقع الاجتماعي المحدد بحدود الزمان والمكان ومقدار التطور الاجتماعي والمادي .
وإذا تم تناسى هذه المهمة، الثورية بالمعنى الكامل والمباشر للكلمة، فانه من المحتم على قوى اليسار أن تبحث لنفسها عن تسمية أخرى. فلقد قامت هذه القوى من أجل مواجهة حالة طبقية اجتماعية وانسانية محددة، ترتكز على الاستغلال الجائر لطاقات الطبقات العاملة وممارسة القهر والعدوان على الشعوب كافة. وهذه القوى اليسارية منحازة اجتماعيا على نحو صميمي للطبقات المنتجة والشرائح الاجتماعية المقهورة، ومنحازة انسانيا للشعوب المظلومة الباحثة عن الحرية والتقدم والتحقق الانساني .
وبالطبع، فان البعد الأخلاقي واليوتوبي المرتكز على الحلم بمجتمع لاطبقي تسوده قيم الحرية والعدل، والتبشير بالانتصار النهائي والحتمي لقوى التقدم، قائم بلا شك فى جوهر الرؤية اليسارية . ولكن التحليل السياسي لاينطلق من هذا البعد باعتباره واقعا فعليا، ولكن باعتباره ممثلا للبوصلة الهاديه ذات المقومات الأخلاقية والانسانية بالمعنى الدلالي العام. وإنما يجرى التحليل، موضوعيا، على أساس من المنهج العلمي الجدلي والفكر العقلاني المنهجي، الذي يتعامل مع ما يطرحه الواقع من ظواهر وتناقضات حقيقية وفعلية.
ولذلك فانني أتفق مع الأستاذ كريم مروة تماما في فكرته عن أهمية عدم جواز القفز على الواقع وضرورة التعامل بشكل مرحلي مع متغيراته. ولعل هذا ليس بالكلام الجديد. لكن فى حالة تناسينا للرؤية الاستراتيجية التي قام على أساسها فكر اليسار، فسنواجه بالحتم مشكلة مفهومية كبيرة، تتمثل في عدم انطباق "المفهوم" على "الماصدق"، بلغة أهل المنطق، أي سنصبح أمام تسمية لاتنطبق على المسمى.
لقد ركزت صفحات الكتاب كثيرا على كلمة "النهضة"، مؤكدة على أنه يتعين علينا (الآن) الإسهام في تحقيق نوع من النهضة الشاملة، على مستوى التحرير السياسي والدعم ل- والمشاركة فى - الحركات التضامنية والاجتماعية والشبابية.. الخ . وبالرغم من أن ذلك يتوافق مع فكرة اليسار، على وجه عام، الا انه لا يمثل جوهر الفكر اليساري ولا يجسد المقولة الأساسية لحركة اليسار. وغنى عن القول أن اليساريين هم من أكثر من عملوا على دراسة التراث وابراز الجوانب التقدمية الكامنة فيه، وبشروا بمجانية التعليم، ودافعوا عن حرية التفكير والتعبير، واحترام الآخر والاقرار بحقه في الاختلاف. ويقفون وحدهم تقريبا، الآن، الى جانب قضايا المرأة وفى مواجهة مصادرة الابداع وقمع الأفكار. فاليسار على مدار تاريخه كان تنويريا ونهضويا .. لكن التنوير والنهضة بأي اتجاه ؟! فهل يمكن مثلا الاتفاق مع تطويع فكرة "قبول الآخر"، على طريقة بعض الاتجاهات التى ظهرت حديثا، لتعنى (بذلك الآخر) العدو الصهيوني وتنادى بالتطبيع معه والتغاضي عن سياساته العدوانية، وترى أن اقامة سلام معه (على هذه الوضعية) يعد أمرا ممكنا، بل وحضاريا؟! اننا هنا نخلط الأوراق والموضوعات ببعضها البعض، ونزيف المفاهيم والمعاني الحقيقية لفكرة الاختلاف . فنحن نؤمن طبعا بحق الإختلاف لكن ذلك لا يعنى، باى حال من الأحوال، الإيمان بحق الآخر في قتلي ومحو حضارتي وسحق شعبي . ونحن نؤمن بحق الأمريكيين فى العيش بالطريقة التي يفضلونها، لكننا بلا شك، لا نؤمن بحقهم في السيطرة على العالم والهيمنة على ثقافاته ومقدراته وتحويله الى مزرعة خاصة يديرون شؤونها بما يخدم مصالحهم.
ان مبارحة المنطلقات والمفاهيم النظرية الأساسية والمواقف الجذرية الرئيسية والمواقع والخنادق التى انطلق منها اليسار تعني إننا بإزاء عملية خلط أوراق تخلو من البراءة. ورغم انني أقدم كل الاحترام والتبجيل لكل من يرى نفسه إصلاحيا وليبراليا، الا انني أبدي بالغ التعجب من أن يطرح ذلك الشخص نفسه باعتباره يساريا دون أن تشغله القضية الاجتماعية وقضية بناء أفق إنساني جديد عادل ومتحرر من القمع والقهر والتبعية للامبريالية.
ونحن لا نكرس الميل إلى التجريم والتخوين، لكن إذا لم نربط هذه المحاولات (التحطيمية) ببعضها البعض، ولم نقدم لها قراءة سياقية متكاملة، ربما نصل في النهاية إلى نوع من الاستدراج نحو عملية تزييف وتفريغ كاملة لمحتوى ومعنى اليسار. وهذا ما لا نتمناه ولا نسمح به في الحقيقة.
نعم، ان اليسار فى أزمة ولابد أن نعترف بذلك (رغم أن الواقع بعد الثورات العربية قد يطرح احتمالات أخرى ايجابية لم نتيقن منها بعد)، لكن من الضروري أيضا أن نقوم بتشخيص العوامل الموضوعية الحقيقية التي أفضت إلى ذلك، حتى يمكن التعامل معها والتغلب عليها. مع الوضع في الاعتبار أن أسباب هذه الأزمة ليست واحدة لدى جميع القوى اليسارية في شتى البلدان العربية. وأتصور أن القول بغير هذا يعد تعميما مخلا. كما أنه ليس كل اليسار في العالم مأزوما، فيسار أمريكا اللاتينية وبعض بلدان آسيا مثلا لا يمكن اعتباره في وضع الأزمة. وحتى اليساريين فى أوروبا ليسوا في أزمة بهذا القدر الذي نحن عليه.
ان أزمتنا، فى رأيي، تتعلق بعدد من العوامل، منها الثقافة الماضوية الحاكمة والوعي المحافظ السائد والموروث، المتحالفين مع القمع التاريخي المنهجي والمنظم، والتحريض الديني الجهول والمزورعلى اليسار وفكره، تينك القمع والتحريض المتلازمين مع كل السلطات التى مرت على بلادنا طوال تاريخنا الحديث. كما تتعلق، بذات القدر، بتكتيكات اليسار التي أخذت، منذ لحظة التكوين والنشأة، منحى نخبويا وفوقيا، وربما يعود ذلك إلى قيام اليسار منذ بدايته على أكتاف بعض العناصر المثقفة وذات التعليم الأجنبي، وليس على أكتاف عناصر طليعية من العمال والفلاحين، الأمر الذي جعله غير شعبي بدرجة معينة.
إلا أن ذلك لا يعنى بأية حال أنه لم يكن مؤثرا. فلقد وقف اليسار وراء رواج كثير جدا من المفاهيم والأفكار والقيم الثورية التي حكمت مصر وأجزاء من العالم العربي منذ نشأته وحتى الآن، مثل: "الإشتراكية" و"العدالة الاجتماعية" و"العقلانية" و"المنهج العلمي" و"حرية المرأة" و"حقوق العمال والفلاحين" .. الخ. فلقد أسست وأصلت الجهود الفكرية والنضالية التى قدمتها حركة اليسار المناخ الفكري والسياسي الذي قامت فى اطاره ثورة 23 يوليو والحقبة الناصرية، وما لحقها من ثورات عربية.
ولولا ما حققه اليساريون المصريون والعرب من انجازات فكرية، من أجلها سالت دماؤهم وتقطعت جلودهم تحت السياط في السجون، ما كان لأحد أن يتشدق ويتفاخر بهذه المفاهيم التقدمية التي جرى حفرها في مجرى الثقافة المصرية والعربية.
إذن فقد حقق اليسار المصري والعربي تأثيرا قويا في مجرى الحياة وعلى كل الصعد. وإن لم يكن ذلك هوالتأثير المرتجى الذي يمكن من خلاله أن يصبح اليسار أحد اللاعبين الرئيسيين في الحركة السياسية الوطنية. لكن ذلك لا يعني أن التاريخ قد صودر على هذا النحو والى الأبد، وإنه قد تعين علينا الاستقالة من دورنا التاريخي ولم يعد أمامنا سوى امكانية أن نلحق بأذيال عربة الليبرالية الكهلة (رغم ادعائها الظفر) حتى يكون لنا مكان.
فاليسار قائم وضروري وحتمي مادام هناك ظلم وقهر وفقر واستغلال وعدوان وصهيونية وامبريالية واستيطان .. الخ، ومادامت البشرية لاتزال تمتلك القدرة والجسارة على اجتراح حلمها البهيج فى عالم تظلله رايات الحرية والعدل. وسينتصر اليسار طالما كان بقى اليساريون الحقيقيون المؤمنون ب - والمخلصون ل – دورهم التاريخي، القادرون على تقديم قراءة علمية جدلية لواقعهم، وتشخيص التناقضات الرئيسية الحاكمة لهذا الواقع، وقوى التغيير الحقيقية فيه، والانخراط بينها واقناعها بجدارة الفعل الثوري وعدم الاستعلاء عليها.
