نواصل، في هذا العدد، نشر وجهة نظر، قلنا عنها، في العدد الماضي، بأنها جديرة بالقراءة، تستثير من حولها العديد من الأسئلة التي يحاول ان يجيب عليها كاتبها، د. رائف زريق، وهي أسئلة تتعلق بالحالة العربية الراهنة ارتباطًا بما يجري من أحداث في العالم العربي. المقالة الأولى كانت حول "القومية العربية"، نشرناها في الأسبوع الماضي، والثانية المنشورة هنا، تحمل النقاش حول "التدخّل الأجنبي" ومفهومه، والثالثة عن "نظرية المؤامرة"، والتي سننشرها في العدد القادم من ملحق "الإتحاد". وبطبيعة الحال فان صفحات الملحق ترحب بأقلام اضافية تتناول، اذا رغبت، هذه الطروحات وتقوم بمناقشتها. وهذه دعوة لحوار مفتوح!
حول مقولة "التدخُّل الأجنبي"..!
// د. رائف زريق
// بهذا المعنى فإن مقولتَيْ "عدم التدخل" و حق تقرير المصير" مرتبطان عضوياً. إنّ حق تقرير المصير عملة ذات وجهين: الأول يتّجه نحو الخارج ويقضي بعدم تدخّل قوى خارجية، والثاني يتّجه نحو الداخل ويقضي بأن يدير الشعب دولته بموجب مشيئته وخياراته. عليه، فإنّ الجانب الآخر للوجه الخارجي هو "داخلي" بماهيته، يصرّ على المشاركة الشعبية الديمقراطية. ولا يمكن اختزال مقولة "تقرير المصير" بمقولة "عدم التدخل"، إذ إنّ حق تقرير المصير يقف على رجلين لا على رجل واحدة، واختزاله بمقولة "عدم التدخل" هو محاولة من النظام للاستفراد بالشعب في معركة غير متكافئة أصلاً
// هناك فرق بين ما يحق للنظام أخلاقياً أن يدّعيه، وبين ما هو واجب المعارضة. من الواجب على المعارضة أن ترفض أي تدخل عسكري، لكن هذا الواجب لا يعني أنه يحق للنظام في ذات الأوان أن يلوّح بورقة التدخل الأجنبي لتخوين المعارضة. واجب المعارضة شيء وحق النظام شيء آخر. إن واجب المعارضة هو واجب تجاه مبادئها وشعبها، لا تجاه النظام، وواجب المعارضة لا يخلق للنظام حقّاً. من الواجب على صاحب البيت إكرام الضيف، لكن ليس للضيف حق على صاحب البيت بإكرامه.
يكتب الكثيرون حول ضرورة استبعاد التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية، وهذه حججا يسوقها غيورون على المشروع الوطني والقومي، كما يسوقها اولئك الذين اجهدوا المشروع برمته، وفتحوا أبواب دولهم للغرب وللشركات العابرة للقارّات. بالتالي فان مقولة عدم التدخل يجري رفعها من قبل قوميين عرب دفاعا عن سوريا، لكنه نفس الشعار الذي رفعه مبارك واعوانه ايضا، مما يعني انه من الممكن توظيف الشعار بطرق مختلفة ولاهداف مختلفة.
احيانا يرفع هذا الشعار من قبل وطنين غيورين واحيانا من قبل نفعيين انتهازيين بهدف الحفاظ على مواضعم وكراسيهم. واكاد أجزم ان احدا من القوميين العرب الذين توخوا خيرا برحيل الرئيس مبارك وانتظروا التخلص منه بفارغ الصبر، لم يكترثوا تماما الى خطاباته و بياناته التي ادعت ان الثورة عبارة عن تدخل خارجي، ولا اعتقد انهم أدانو الرئيس أوباما حين عبر عن تضامنه الواضح مع الثوار في ميدان التحرير وقال انه يتفهم مطالبهم، ولا عندما عبّرت الأسرة الدولية عن ضرورة انهاء حقبة مبارك وانتقال السلطة الى من بعده .
هنا ايضا، فان مقولة رفض التدخل الاجنبي لها ما يبررها، حيث ان التدخل الماثل أمامنا هو التدخل الامريكي على شكل غزو وحشي للعراق، وكل ذلك بحجة اسلحة الدمار الشامل تارة واشاعة الديموقراطية وحقوق الانسان تارة اخرى، و عليه ليس تجنيًا على امريكا اذا قلنا ان تاريخها لا يشير بالخير الى المنطقة، بينما كانت تدخلاتها الى جانب الانظمة الطاغية وليس الى جانب الشعوب التواقة للحرية والكرامة.
الا انه من غير الكافي التوقف في التحليل عند هذه النقطه فقط، دون الخوض في المبدأ الاساسي لعدم التدخل كي نعرف المنطق الكامن وراء هذا المبدأ، وما هي القيم التي يمثلها مبدأ عدم التدخل، وما مدى صلاحياته، ومتى يجوز توظيفه، ومتى يكون توظيفه بسوء النية وبطريقة لا تحترم القيم التي من اجلها جرى تبني هذا المبدأ، ليتحول الى كلمة حق يراد بها باطل.
ان مبدأ عدم التدخل لهو بالاساس مبدأ لعدم التدخل في العلاقات بين الافراد فيما بينهم، ولعدم تدخل الدولة بالفرد. بمعنى ان لكل فرد مساحة خاصة به من الأتونوميا الفردية التي يتحرك فيها كما يشاء، يخطئ بحق نفسه، يبذر امواله، يرتكب الرذيلة، ويكفر بالباري تعالى اذا شاء، وكل ذلك دون ان يكون لاي فرد او سلطة حق التدخل في حياته وفرض قيم ومعتقدات معينة عليه، ما دامت تصرفاته لا تؤذي احدا.
لقد كان المبرر التاريخي الاول لضرورة ايجاد مساحة من الحرية الشخصية هو مبرر عملي قبل ان يكون اخلاقي يعود الى الحروب الدينية التي خاضتها اوروبا في القرون الوسطى وبداية عصر الحداثة. لقرون طويله جرى الاعتقاد، والعمل بموجب هذا الاعتقاد، ان قضية الخلاص الديني والآخره ليست قضية فردية يواجه فيها كل فرد ذاته امام ربه، انما هي قضية تخص كل فرد في المجتمع، وعليه هناك فرض ديني على المؤمن ان ينهي الكافر (والكافر ليس الذي لا دين له، انما كل من يدين بدين آخر) ويرشده الى الطريق القويم، واذا لم يرجع الى الطريق السوي القويم فانه من المبرر القيام بارغامه عنوة باتباع الطريق المستقيم. وقد دفعت اوروبا ثمنا باهظا لحروبها الدينية هذه الى ان انتهت لضرورة فَردَنة الخلاص الديني، وبالتالي ضرورة ان يترك للمرء مساحة خاصة به، يقرر فيها وجهته الدينية والاخلاقية. طبعا كانت هذه البداية تاريخيا، الا ان المساحة الحرة اخذت بالتوسع على مر القرون لتشمل ليس فقط حرية المعتقد الديني، انما الحريات بشكل عام، بحيث ان لكل مواطن مساحة خاصة به تمكنه من صياغة وتخطيط وبرمجة حياته بموجب رغباته واولياته وليس بموجب رغبات واولويات واخلاقيات المجتمع/ الدولة/ الجماعة الدينية. وعليه فأن مبدأ عدم التدخل تاريخيا ونظريا هو مبدأ ليبرالي صرف، يؤسس نفسه على مبدأ الأتونوميا الفردية وحق الفرد في تقرير مصيره بذاته، وعلى اساس هذا النموذج النظري للفرد ككائن متماسك اخلاقيا ونظريا، قادرًا على اتخاذ قراراته بنفسه وعلى ادارة شؤونه بنفسه، وباعتباره كائنا عقلانيا مؤهلا لاتخاذ القرارت السليمه وبالتالي فهو مسؤول في نهاية المطاف عما ستؤول اليه حياته من سعادة او شقاء - على اساس هذا النموذج النظري للفرد جرى بناء الاساس الفكري للرأسمالية ولاقتصاد السوق، الذي يقر ان الفرد هو الحكم الاخير في جميع شؤونه وهو ليس بحاجة للرعاية من قبل الآخرين ولا من قبل الدولة، وبالتالي فاذا اغتنى الاغنياء فذلك لجداراتهم، واذا فقر الفقراء فذلك نتيجه لكسلهم، "وليقلع كل شوكه بيديه". اي ان الوجه اللآخر لفكرة ومبدأ عدم التدخل هو عدم الاكتراث!
تعرّض مبدأ "عدم التدخل" الى بعض النقد وبالاساس من قبل مفكرين جاءوا من اليسار. ويدّعى المنتقدون انه حتى نترك الافراد يقررون مصيرهم بانفسهم، ونتركهم في مواجهه مصيرهم لوحدهم علينا التأكد ان لديهم القدرة للتصرف كمستقلين، ولديهم الامكانيه لاتخاذ القرار. وعليه فنحن مثلا لا نعمل بمبدأ عدم التدخل عندما يدور الحديث عن القاصرين، او المعاقين عقليا، ففي جميع هذه الحالات تتدخل الدولة لحمايتهم. عدا عن ذلك هناك الكثير من الحالات التي تعتقد فيها الدولة بان بعض الأمور من الاهميه ان لا نتركها للقرار الفردي (حزام الامان، قبعه الرأس) او ان اعتبارات الفرد قد تكون مشوشه (الكحول، التدخين). ومن انجازات التراث الماركسي في هذا السياق انه اثبت انه حتى يكون هناك حد ادنى من الأتونوميا الحقيقيه فلا يكفي للمرء ان تكون حريات سياسية، بل عليه ان يتمتع ببعض الحقوق الاقتصادية التي توفر له الحد الادنى من العيش الكريم، وبالتالي هناك ضرورة لمشروع قسري يضمن التأمين الصحي، صندوق تقاعد الخ.... وذلك دون الرجوع الى الفرد واستشارته في هذه المواضيع. اي انه احيانا هناك ضرورة لخرق الأتونوميا الفردية الشكلية من اجل تحقيقها وضمانها فعليا وجوهريا.
ان نفس فكرة عدم التدخل في المستوى الشخصي الفردي هي التي تؤسس لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى. المبدأ الاساسي هنا هو انه يحق لكل شعب ان يختار الطريق الذي يراه مناسبا لادارة دولته واقتصاده ونظامه القضائي. ففي نهاية الامر هو المستفيد من هذه الاجراءات ومن هذا النظام وهو الذي سيدفع ثمن اخطائه ولا يحق لشعب ان يفرض على شعب آخر طريقته في الحياة وفي ادارة الاقتصاد والدولة، تماما كما انه لا يحق لفرد ان يملي على فرد آخر اراءه ومعتقداته في الدين والاخلاق والسياسة والاقتصاد. ففي نهاية المطاف سيعيش الفرد مع قراراته كما سيعيش الشعب مع خياراته، اما ينجو ويكبر وينجح واما مصيره الاخفاق والفشل. وفي الحالتين فأن النجاح نجاحه والفشل فشله ولا شريك له في نجاحه ولا في فشله. هكذا هو هذا المنطق الذي يقف وراء حق تقرير المصير وعدم التدخل فرديا كان ام جماعيا - مبدأ الحرية والأتونوميا الفردية في حالة الافراد، ومبدأ الحرية والأتونوميا الجماعية في حالة الجماعات والشعوب. وفي الحالتين الحريه هي المرجع والأصل.
الا ان المشكله تكمن انه في حين يكون من الممكن ان يخبرنا الافراد ما هي رغباتهم وخياراتهم كي يكون من الممكن احترامها وعدم التدخل بهذه الخيارات، فان الامر يبدو عسيرا ومعقدا اكثر في حالة وجود الجماعات والشعوب، كي نعرف ما هي خيارات الشعوب ؟ كيف يمكن تشخيصها؟ وهل من الممكن معرفة خيارات الشعوب دون ان تكون هناك فرصة حقيقة للشعوب ان تختار – اي ان تنتخب وتمارس حقوقها في تقرير مصيرها؟ وبكلمات اخرى – ما هي الشروط الضرورية حتى يكون من الممكن الحديث عن مبدأ حق تقرير المصير وضرورة عدم التدخل؟ أليس من الضروري ان يكون الشعب نفسه مؤهلا بوسائل ديموقراطيه وان يشارك في صياغه شكل وجوهر مؤسسات الدولة وحكومتها واقتصادها، كشرط لا بديل عنه وكمقدمة ضرورية كي يقف مبدأ تقرير المصير على رجليه؟
السؤال ليس بسيطا وان كنت اعتقد ان هناك ضرورة لان يكون الشعب شريكا بالحد الأدنى في مؤسسات الدولة وصياغة قراراتها المصيرية كي يكون من الممكن الحديث عن مبدأ عدم التدخل.
قد لا يكون الشرط الضروري لمبدأ عدم التدخل هو ان تُدار الدولة بشكل ديموقراطي كما تدار دولة مثل السويد او فنلندا، لكن من ناحية ثانية من الواضح انه يوجد شيء مثير للسخرية عندما يأتي ادعاء عدم التدخل من قبل نظام وحشي لا يكترث بشعبه، يقمعه ولا يحترمه اصلا. ان حق عدم التدخل هو حق للشعب وليس للنظام بعينه، وهو مشتق من حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالتالي فهو ليس حقًا للنظام في قمع شعبه وتقرير مصيرها. يستطيع النظام ان يدعي هذا الادعاء ما دام يمثل بالحد الادنى الارادة الشعبية، أما اذا افتقد هذا البعد تماما فليس من الواضح اي اساس اخلاقي يبقى لدى النظام كي يقف وراء مبدأ عدم التدخل. بهذا المعنى فإن مقولتَيْ "عدم التدخل" و حق تقرير المصير" مرتبطان عضوياً. إنّ حق تقرير المصير عملة ذات وجهين: الأول يتّجه نحو الخارج ويقضي بعدم تدخّل قوى خارجية، والثاني يتّجه نحو الداخل ويقضي بأن يدير الشعب دولته بموجب مشيئته وخياراته. عليه، فإنّ الجانب الآخر للوجه الخارجي هو "داخلي" بماهيته، يصرّ على المشاركة الشعبية الديمقراطية. لا يمكن اختزال مقولة "تقرير المصير" بمقولة "عدم التدخل"، إذ إنّ حق تقرير المصير يقف على رجلين لا على رجل واحدة، واختزاله بمقولة "عدم التدخل" هو محاولة من النظام للاستفراد بالشعب في معركة غير متكافئة أصلاً.
في هذا السياق يجب ان نفرق بين عدة ادعاءات. أولها، ان ما قلته اعلاه لا يهدف الى تاْسيس حق اي دولة للتدخل في أمور دولة اخرى حتى في حالة وجود نظام غير ديموقراطي. ان المقولة التي رغبت في توكيدها تقوم بالاساس على النفي :
أولاً: لا يحق لنظام قمعي ان يقف خلف مقولة عدم التدخل وحق تقرير المصير في حالة ان شعبه ليس شريكا في تقرير مصيره وغير مشارك في صياغة شكل الدولة ومؤسساتها.
ثانيًا: في ظروف معينه قد يكون هناك واجب – وليس حق – لدول اخرى لنوع من التدخل في شؤون دولة اخرى. وكي يكون الامر كذلك يجب ان تضاف عدة شروط، اولها ان يكون النظام قد ارتكب او يرتكب جرائم وحشية ضد شعبه. ثانيا- ان يكون هناك جسم تمثيلي يطلب مثل هذا التدخل، ثالثا- على هذا التدخل الا يكون تدخلا عسكريا انما بالاساس تدخلا انسانيا بهدف مساعدة الضحايا.
لم نسمع احدا في المعارضه السورية او المصرية يدعو الى غزو مصر او سوريا، وان كنا سمعنا مطالبة بارسال بعثات تقصي حقائق ورفع للامم المتحدة حول خروقات حقوق الانسان وممارسات وحشية ضد قوى المعارضة. فهل يبقى هذا ضمن المعقول؟
اعتقد ان موقف المعارضة السورية حتى الان هو موقف مثير للاعجاب برفضه اي تدخل عسكري خارجي، وان كان من المشروع تماما ان يطالب المجتمع السوري الذي يسفك دمه في الشوارع يوميا بمراقبين دوليين ولجان تقصي حقائق ونشر التقارير حول ممارسات النظام. هذا هو الحد الادنى وهو مشروع تماما. واولئك الذين يدفعون ضريبة لفظية حول ضرورة اجراء تعديلات وتغييرات اصلاحية والذين يؤيدون مطالب الثوار لكنهم يعيبون عليهم مطلب ارسال بعثات تقصي حقائق، وفتح المجال للصحفيين الاجانب لتغطية الاحداث، لا يقولون لنا كيف يمكن باعتقادهم محاصرة النظام واجباره على تقديم تنازلات (وان كان وقت التنازلات قد فات) دون ان يكون هناك اي ضغط دولي بهذا الشأن. زد على ذلك الا يمكن القول بان النظام بنفسه يستفيد من عوامل خارجية ويوظفها في معركته الداخلية، من اعلام واسلحه وتمويل ؟ وهل يحق للنظام ما لا يحق للشعب ؟ هل وقوف روسيا إلى جانب النظام السوري هو تدخل أم لا؟ وكيف يمكن النظر إلى تصريحات الإدارة الأمريكية النافية لأي تدخل عسكري في سوريا والتي من شأنها طمأنة النظام وتعزيز ثفته بنفسه؟ أليست ضرباُ من التدخل أيضاً؟
ثالثاً: هناك فرق بين ما يحق للنظام أخلاقياً أن يدّعيه، وبين ما هو واجب المعارضة. من الواجب على المعارضة أن ترفض أي تدخل عسكري، لكن هذا الواجب لا يعني أنه يحق للنظام في ذات الأوان أن يلوّح بورقة التدخل الأجنبي لتخوين المعارضة. واجب المعارضة شيء وحق النظام شيء آخر. إن واجب المعارضة هو واجب تجاه مبادئها وشعبها، لا تجاه النظام، وواجب المعارضة لا يخلق للنظام حقّاً. من الواجب على صاحب البيت إكرام الضيف، لكن ليس للضيف حق على صاحب البيت بإكرامه.
(يتبع)
