الكرامة الوطنية في وجه ضيق الأفق الطائفي والحمائلي

single

يشهد المجتمع  العربي بالذات، وقبل الموعد بكثير، ضجيجًا انتخابيا وسياسيًا وحمائليا هذه الأيام وقبلها، أكثر مما جرى التحضير لانتخابات الكنيست الأخيرة، حتى نجاح أو فشل تأليف الحكومة الجديدة التي تواجهه مطبات نتيجة لاختلاف المصالح وتشعب الانتماءات السياسية، والتي على كل الحالات والصعد ستكون هذه الحكومة والذي يقف على راسها الليكود ودعاة الاستيطان، هي بالطبع تبقى حكومة ذات توجهات يمينية تكرس القوة والاحتلال وتتنكر للحقوق العربية والفلسطينية بالذات. لكن الضجيج الذي يحمل في طياته غبارًا فاسدًا ويسبق دائمًا الانتخابات العامة للمجالس والبلديات، والمقرر إجراؤها في 22/10/13، غبارًا من الممكن ان يحدث شرخًا في الأسرة والقرية والشارع والمجتمع ككل، حيث يقسم الموقف والمقسم أصلا ويهمش المهمش ويسيء إلى أصول الديمقراطية وكيفية ممارستها دون الوصول إلى الهدف السياسي وصيانة الكرامة الوطنية، والتي من اجلها يجري خوض الانتخابات المحلية.
يصيبك أحيانًا التوتر والدوران وضغط الدم، وأنت تسمع وتقرأ عبر المواقع الإخبارية وشبكات التواصل والصحف الأسبوعية، التي تعج بالأخبار المحلية عن هذه القرية أو تلك البلدة، وتتوصل إلى استنتاج ان فيروس الترشح لخوض الانتخابات المحلية للرئاسة على رأس قائمة عائلية أو طائفية وحمائلية، وان أكثر من عشرة مرشحين يتنافسون على رأس السلطة المحلية. ناهيك عن اضعاف الرقم ورغبة في خوض قوائم العضوية. الهدف هو دفع مصالح الفرد والمجموعة الضيقة إلى الأمام، وتهميش المصالح العليا للمواطنين عامة وتقسيم المجتمع العربي والقرية الواحدة وجعل المعركة بين حمائل وعائلات وضرب عرض الحائط بمصالح الناس الصحية والتعليمية والثقافية والتطويرية وغيرها.
وهذا يحدث تحت شعار مهم ولكن يجري استغلاله  وإفراغه من مضمونه الأساسي والسياسي وهو حرية التعبير عن الرأي، وحق الشعب والناخب في التغيير الجذري. بينما الذي يجري هو تغييب المواطن عن ممارسة حقه في المشاركة الكاملة دون ضغط أو تأثير خارجي بعيد عن الوعود والمال السياسي والانتخابي. والمحزن أكثر  هو في الانحدار والتراجع المشين عن الخوض السياسي وعدم تسييس المعركة وتحجيمها على أساس عائلي وحمائلي وطائفي وفئوي. ولهذا يشهد الشارع العربي في كثير من القرى والبلدات وفي قلب العائلات الكبيرة، ما يسمى بالانتخابات التمهيدية داخل العائلة لتثبيت مرشح عائلي. هذا المستوى في الاستقطاب العائلي على حساب كرامة المجموع قد يحدث تفككًا اجتماعيًا وانحلالا مجتمعيًا كبديل عن الأحزاب السياسية، مما يغيّب الطابع السياسي والوطني والخدماتي. ناهيك عن إهدار الطاقات والقدرات العلمية الجماعية وتغليفها ضمن مصلحة الفرد والعائلة وتهميش مصلحة القرية. ولهذا يجب تحديد موقف وطرق العلاج للحد من انحدار المجتمع نحو الهاوية. فمحاربة هذه الفيروسات الاجتماعية والتحذير من خطورتها على المدى البعيد، قد يعرّض مجتمعنا للمزيد من الامراض والآفات ولقمة سائغة للتعصب الحمائلي والقبلي، تعود بأشد الضرر على كل العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية وتخلخل مجمل النسيج الاجتماعي لشعبنا في جعله فريسة لسياسة الاضطهاد والتميز القومي، والتي هي أول من يغذي مجتمعنا بهذه الفيروسات والمفاهيم وسياسات بطيخ يكسر بعضه وفرق تسد التي قبرها شعبنا في كل مراحل كفاحه وحقه المشروع على تراب وطنه، وفي معركته العادلة لتحصيل حقوقه اليومية والقومية، ان افساح المجال لمثل هذه الأمراض الاجتماعية كي تفتك بنا كعرب يسهل على السلطة تنفيذ مؤامرتها كي تحطمنا عربيًّا وقوميًّا ومن ثم سياسيًا ووطنيًا.
* تحديد المسؤولية*
المسؤولية هي فردية وجماعية في آن واحد، فالتوجه للأفراد أو ما يسمى النخبة وأصحاب الشأن والنفوذ والتأثير في المجتمع الحمائلي – العائلي بضرورة الارتقاء إلى مستوى متطلبات العصر والمرحلة التي تعيشها الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، ثم ان مصلحة العائلة والفرد يجب ان تكون أولا وأخيرا جزءًا من مصلحة المجموع والمجتمع على أساس صيانة الوحدة السياسية والوطنية وفي تجميع كل المتضررين من سياسة الاضطهاد والتمييز الحكومي والصهيوني، الذي لا يميز بين هذه العائلة أو تلك، فالجميع في نظر المؤسسة الحكومية عرب مواطنون من الدرجة الثانية والمشروع الإسرائيلي – الصهيوني على المدى البعيد هو كيفية تنظيف الأرض (الوطن الفلسطيني) من أصحابه الأصليين وجعلها دولة يهودية 100%، لذلك فان تسلط الفرد الزعيم العائلي في عائلته وما حولها من حسب ونسب يلحق اشد الضرر على المناخ الحضاري والثقافي والعلمي، ويحد من القدرات والإمكانيات الجماعية في خلق مجتمع سليم ومعافى وخلق الإنسان القادر على الإبداع لصالح المجتمع والتطور الإنساني. ومن الواضح ان مجتمعنا العربي الفلسطيني داخل إسرائيل يتشكل بالأساس من حمائل وطوائف وملل ضاربة جذورًا عميقة في التراب والتاريخ الفلسطيني المجيد، وفي المعركة على تثبيت الهوية والبقاء وانتزاع الحقوق في التطور والازدهار مع الحركة الصهيونية وعلى حكام البلاد الجدد ان يتعاملوا معنا على أننا مجتمع عربي فلسطيني لنا خصوصيتنا داخل المجتمع الإسرائيلي، ولنا حقوق يومية وقومية ونطالب بالسلام العادل والمساواة، إذًا لماذا يسعى البعض ورغبة منه عندما يريد خوض الانتخابات للمجالس والبلديات، يتعامل من منطلق عشائري وحمائلي وغيره، أليس هذا تناقضا صارخا بين الرؤية العامة للمجتمع وبين ضيق الأفق لهذا الفرد أو ذاك، بين ما يناضل من اجله كل الشعب وبين تحقيق رغبات سيدنا الأفندي.
المسؤولية الثانية، تقع على عاتق الأحزاب السياسية الفاعلة في المجتمع العربي، فأي تراجع لهذه الأحزاب عن مواقفها الأصلية لصالح العائلية أو الحمولة ومراعاة وأحيانًا تحالف معين ومجاملة هذا المرشح أو ذاك الزعيم لصالح جمع الأصوات لهذا الحزب أو ذاك، يعطي الشرعية والثقة والأمل لهذا الزعيم أو العائلة ان تكبر وتنمو على حساب تطور الحياة الحزبية والسياسية والديمقراطية والموقف الوطني. فالتعددية السياسية والحزبية في خوض غمار الانتخابات للمجالس والبلديات القادمة، تلقى تراجعًا ملحوظًا، امام تنامي النشاط المتزايد للفكر وممارسة العائلية والحمائلية والفئوية، وإظهار المعركة ليس بين قوى سياسية وحزبية وعلى أساس برامج، إنما بين اتجاهات عائلية وقبلية، ان كرامة العائلة والعشيرة لا تحفظها كرسي السلطة المحلية، وإنما تحفظها هي نفسها عندما نكون جزءًا من الموقف والوحدة الوطنية لمجموع الأهالي في القرية والشعب، في مواجهة سياسة القهر والاضطهاد القومي المسلَّطة على مجموع العائلات والحمائل والعشائر ومجموع المضطهدين عربيًا وقوميًا، وهم يؤلفون وحدة واحدة لمجموع الجماهير العربية الفلسطينية المتمسكة بوطنها ولا تقبل بديلا عنه.

 


(كويكات/ أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الزاهي والفؤاد شفاعريين أصليين

featured

فلسطين تُبعث من جديد

featured

ام الفحم موجودة قبل اسرائيل وقبل مستوطنة مي عامي

featured

لتصعيد المعركة ضد الاعتقال الاداري

featured

مشاريع عدوانية بدلا من الأدوية!!

featured

أهل الحرب سعداء

featured

ميزانية احتلال واستيطان وتوسّع

featured

يوميات هدى وأرشيف البداية 90 عامًا