السيناريو جاهز: كلّ ثلاثة أربعة أيّام، يستدعي المواطنون (في درعا، في بانياس، في كلخ، في جسر الشغور، في دير الزور، في القامشلي، في حماة.... املأ الاسم المناسب) قوّات الأمن السوريّة، لحمايتهم من العصابات المسلّحة.
في البداية يزحف رتل من الدبّابات على المدينة، 50-60 دبّابة، ثمّ تُطوَّق المدينة لمنع العصابات من الهروب. تُقطع الكهرباء طبعا، لئلا ترى العصابات طريقها إلى الهرب، وتُقطع الاتّصالات كلّها أيضا، بين المدينة والعالم، لإحكام الطوق على المسلّحين. المياه تُقطع أيضا، إذا لزم الأمر، لكي يموت المسلّحون عطشا، قبل انقضاض الجيش العقائدي عليهم.
بعض المواطنين يرحلون خارج المدينة، لا خوفا من قوّات الإنقاذ الوطنيّة طبعا، بل لإفساح الساحة للأشاوس الأبطال لكي يجْهزوا على العصابات. لا ضير إذا جرّبوا اللجوء بضعة أيّام داخل سورية، أو إلى تركيا، ريثما تُنجز قوّات الأمن الوطنيّة مهمّتها المقدّسة في المدينة.
بعد يومين أو ثلاثة ينتهي الجنود البواسل وفوارس الشبّيحة من تطهير المدينة، ويدعى المواطنون إلى العودة إلى مساكنهم بعد أن استتبّ الأمن على أكمل وجه.
لكنّ المهجّرين يرفضون العودة، بل يتظاهرون ضدّ النظام. وشهود العيان وناشطو حقوق الإنسان يذيعون على العالم كلّه، بالصوت والصورة، تفاصيل ووقائع تناقض هذا السيناريو الجاهز تماما: لا عصابات ولا مسلّحون ولا فئة ضالّة. إنّها مظاهرات شعبيّة حافلة تنادي بأعلى الصوت أن الشعب يريد إسقاط النظام، وشهداء كثيرون، رجال ونساء وأطفال، يسقطون برصاص أبناء شعبهم، وجيش يحاصر الوطن مدينة مدينة، فيتركه وراءه أرضا محروقة:
إني أباركهمْ بمجدٍ يرضعُ الدمَ والرذيلة
مرحى لفاتح قريةٍ
مرحى لسفّاح الطفولة!
