استشهاد جواهر أبو رحمة وسؤال المقاومة السلمية

single

     تساؤل أحد الأشبال الأسرى أمامي عن اللغز في أن استشهاد المواطنة أبو رحمة أثار كل هذه الضجة، وكيف جهدت إسرائيل في غسل يدها من دم الشهيدة في وسائل إعلامها وإصدارها بيانات رسمية من وزارة الدفاع والخارجية والأجهزة الأمنية، بينما تمارس يوميا عمليات قتل وحصار وإذلال بحق شعبنا في الضفة والقطاع. ربما في هذا النوع من الأسئلة البديهية تكمن أكثر الإجابات إشكالية والتباسا، والتي بها وعبر إجابة مركبة وغير سطحية يمكن تلخيص الوجهة التي يجب أن يأخذها الصراع مع الاحتلال في حالتنا الراهنة، وجهة تعززها وتضعها في مصافّ الأولويات الوجودية لنا كشعب وحركة مقاومة. بعيدا عن تكرار اللازمة الأبدية التي تتحدث عن موازين القوى وطبيعة العدو وخصوصية نضالنا التي تحولت الى شعار هي الأخرى بدلا من ترجمتها كبرنامج عمل يومي يستنهض طاقات الجماهير ويخرجها من أزمتها وحالة التهميش التي تعيشها.
     إن النضال السلمي، الشعبي، المدني والمقاومة اللاعنفية وحدها قادرة على تجريد الاحتلال من أكثر أدواته فتكا وإعادة رسم الحدود بوضوح بين الضحية والمعتدي، وهي الكفيلة باستقطاب قطاعات أوسع لدائرة الفعل واختراق الرأي العام الدولي والإسرائيلي ليشكل ضلعا حيويا في هذا النضال وعامل ضغط فعال على الاحتلال وصورته أمام المجتمع الدولي.
     لا تقلق حكومة اليمين وأجهزة أمنها الفاشية من الصواريخ البدائية (التي أخذنا نتسابق على التقليل من أهميتها بعد أن قدسناها ردحا من الزمن) ولا الشعارات والتهديدات، فهذه الحكومة بحكم أيديولوجيتها المغلقة وتصنيفها الأحادي والقاطع للعالم كصراع بين أخيار وأشرار وبواسطة آلتها الدعائية المضللة التي تعزف على وتر الأمن الجماعي ومصير الأمة والخطر الوجودي الذي يتهددها واستثارة النزعات الغرائزية، تعمل على تجنيد معظم قطاعات الشعب خلفها وتجييش المجتمع ولجم الأصوات المعارضة وعدم الإفساح لنقاش داخلي نقدي لممارستها على اعتبار أنها تخوض حربا باسم الأمة وقيمها ووجودها، وهذا سيطلق العنان لآلتها العسكرية لأن تعيث فسادا وتقتيلا دون أن تجد نفسها مضطرة لتبرير سلوكها وإن فعلت فبأكثر الكلمات عمومية واستخفافا وبعدا عن الحقيقة.
     إن تجسيدا عمليا بمثل هكذا سلوك عايشناه في الانتفاضة الأخيرة، وإسرائيل التي خرجت مبهورة بنتائجها يهويها ويفتح شهيتها إطالة أمد هذا المسار إلى أن تُجهز على حقوق شعبنا وقضيته نهائيا.
لسنا بحاجة لأن نستعين بتجارب الشعوب الأخرى رغم غناها ولا أن نغرق في الجدل العقيم حول الأهداف والوسائل، تكفي تجاربنا التاريخية والراهنة والنتائج الملموسة الآنية وبعيدة المدى التي ترتبت عليها أن تقدم لنا الخلاصة بدءًا من هبة البراق وثورة 1936 مرورا بانتخابات البلديات ويوم الأرض الخالد والانتفاضة الكبرى وانتفاضة الأقصى وهبة أكتوبر في الداخل والحرب على غزة وصولا إلى استشهاد أبو رحمة، وهنا لا يستدعي الأمر وعظا ولا تنظيرا فرديا أو حزبيا بل إذكاء نقاش جماعي عميق ومبدئي حول أنجع الوسائل التي علينا ابتداعها لإنجاز حقوقنا كاملة، ولا يكفي التهليل للمقاومة الشعبية وعقد مؤتمرات بشأنها وتبنّيها بل يجب أن نؤصل لهذا النضال السلمي ونعمق جذوره في الواقع الملموس وأن نوسع دائرته بدل تحويل المهمات والقضايا الملحة إلى شعارات أو أيقونة.
     إن مقاومة شعبية سلمية لا عنيفة قادرة على توحيد الشعب واستعادة لُحمته وتأصيل قيم العمل الجماعي التراكمي طويل النفس وبعث مفاهيم جذرية مثل التعاون والتضحية والحس المشترك بالواجب الوطني الجامع واحترام الآخر، وهي قيم إنسانية ديمقراطية تستخرج من الشعب أنبل ما فيه في صراعه العادل مع المحتل ويضع لأول مرة الرأي العام وقوى السلام الإسرائيلية أمام امتحان حقيقي. آن الأوان لأن نختبر قوى السلام في إسرائيل وأن نمتحن خطابها على أرض الواقع.
     إن حالة من هذا النوع تشكل امتحانا لنا أيضا كقوى فاعلة في هذا الصراع وأن نختبر قدرتنا على المزاوجة بين أشكال النضال المتعددة وتطويع برامجنا بما يخدم المرحلة، ويحافظ على المكتسبات التاريخية التي أنجزناها عبر عقود من الكفاح وأيضا مدى ديمقراطية حركتنا النضالية وتماهيها مع حقوق الإنسان والقانون الدولي الذي نطالب المحتل باحترامه واعتماده كمرجعية، علينا نحن تقع مسؤولية جعل هذا الصراع أكثر إنسانية وسلمية وتحضرا لأننا الطرف المتفوق أخلاقيا والأعزل وصاحب المصلحة والحق، ولن نكتسب مصداقية إذا ما تجاهلنا هذه القيم والمرجعيات والأدبيات في نضالنا اليومي وثقافتنا السياسية وانجرفنا خلف اللغة المثولوجية المغرقة في العسكرة والتجييش ورائحة الدم.
     إن التفوق الأخلاقي ليس معطى بديهيا كما يحلو للبعض تصويره بل ممارسة ترجمة فعلية لبرنامج وانحياز لمفاهيم كونية وأدوات نضال حضارية وسلمية، إنها ثقافة البناء التي يجب أن نُرسي أساسها الآن لكي نصل ليس إلى القتل والدمار المتبادل بل بناء مجتمع عصري إنسان يشكل نموذجا للتعايش السلمي واحترام الإنسان كإنسان، إننا نناضل وندافع ليس عن فلسطين التي كانت، بدافع الحنين إلى فردوس مفقود، بل عن فلسطين التي نريد ان تكون فلسطين ديمقراطية عادلة قوية موحدة فلسطين أرض القداسة والعدل والتعايش السلمي بين كافة الطوائف والأديان والأعراق لتعيش معا بمساواة وحرية وأمن.

 


     (سجن النقب)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كرة أطفال كفر صور في شباك الأثرياء العرب

featured

عاشت ثورة شعب تونس

featured

يوم الأرض بين الذكرى والذاكرة!

featured

فوكوياما يشعر بنهاية الرأسماليّة

featured

أكاذيب وألاعيب الشرطة البائسة!

featured

أمراض الأبهر – AORTA – أمهات دم الأبهر الصاعد