في حاضرنا هذه الأيام تندرس دروس الماضي التي نقشها المعلمون والكتب في أدمغتنا.. علّمونا ان التاريخ يُعيد نفسه وعلّمونا اننا أبناء خير أمة أخرجت للناس وعلّمونا ان الكفاح فلاح وعلّمونا ان العصبية ذميمة وعلّمونا وعلّمونا.
هذه سوانح أفكار تستوقفني وتستوطنني ولا تريد ان تكون عابرة! أريدها ان تسكن أذهان الأعزاء قرّاء صباحيتي هذه.
لو عُدنا مئة سنة إلى الوراء لوجدنا ان تسعين في المئة من الذين ماتوا في الحروب ماتوا تحديدًا في ساحات الوغى.. وكان بين صرعى تلك الحروب تسعة في المئة من المدنيين البسطاء الأبرياء.. أما اليوم فالأمر مختلف وعكس ذلك تمامًا!! غالبية الناس الذين يتساقطون على تراب شرقنا في العراق وسوريا وأخواتهما هم عرب مسلمون مدنيون يلفظون أنفاسهم على أيدي مسلمين يحترفون تكفير أبناء أمتهم من العرب والمسلمين!! أهكذا يفعل أبناء خير أمة أخرجت للناس؟!
في واقعنا الحاضر المرير تتحول بيوت الناس وحواريهم ومؤسساتهم الدينية والدنيوية إلى ساحات دم واغتصاب وقطع أعناق!!
لن يحدّد مؤرخو هذا الواقع ساحات للوغى بعيدًا عن بيوتنا وقرانا ومدننا كما قرأنا في كتب مؤرخي الماضي وهكذا لا يجوز القول: إن التاريخ يعيد نفسه.
في الماضي كانت مسلسلات المتحاربين تُعرض على مسارح نائية.. يومها كان أهل المحارب يعلنون ان ابنهم غادر الأهل والبلد للقتال بعيدًا عن مسقط الرأس راجين ان يعود مع رفاق دربه بسلام وأمان يوم تضع الحرب أوزارها. في أيامنا هذه لا نسمع شيئًا من هذا القبيل، فالحروب بفظائعها تدور رحاها في بيوتنا، وتدق طبولها في محيط منازلنا وأعداد القتلى من المدنيين تفوق أعداد المقاتلين! هكذا تشطب وقائعنا الموجعة أمن حياتنا فلا حاجة اليوم لان تذهب إلى الحرب فالحرب تأتي إليك.. تدق بابك وتصرعك في غرفة نومك!
في ساحات الوغى كان العرب يُقاتلون الفرس والروم وكانوا أيضًا يقاتلون من يجابه دعوة النبي العربي لعبادة الواحد الأحد.
كان الآثمون يُساقون إلى المقاصل والمشانق المنصوبة في الميادين والساحات العامة.. أما اليوم فنرى المقاصل تأتي إلى بيوت يسكنها الأبرياء حيث يخترم الموت الرجال والنساء والأطفال!!
لقد علّموني وأنا صغير ومعي أترابي من كل الطوائف ان الله رمز للسلام.. هذا الذي تعلّمناه في الصغر يحوّله اليوم الإرهابيون القتَلة إلى واقع دميم ذميم مرضاة للوسواس الخنّاس.
إن كانوا فعلا يقاتلون مرضاةً للخالق ورسله كما يزعمون، فعليهم ان لا يستتروا مقنّعين ملثّمين.. بل عليهم الوقوف منتصبين بعزة وشموخ في رحاب سيِّد الكون مفاخرين بكتبه وتعاليمه السماوية منضوين تحت راية العدل والحق واحترام الرأي الآخر وعليها ينقشون ويكتبون ما تعلّمناه في الآية (13) من سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.. إن أكرمكم عند الله اتقاكم.. إن الله عليم خبير" في هذا السياق نؤكد موقنين مؤمنين ان أحباب الله ورسله هم جماعة الأتقياء من كل الطوائف والمذاهب والأمم.
في حزب الأتقياء لا مكان للتحقير والتكفير.. ولا مكان للقمع والاحتلال والكسب الحرام.
